تحرّر من عوائق الإبداع التي بداخلك
   
   
 
 

أرسلت في الخميس 29 يناير 2009 بواسطة afkaaar

 
  تحرّر من عوائق الإبداع التي بداخلك

أشد السجون أسراً سجنٌ جدرانه صدرك، و أصعب القيود كسراً قيدٌ حلقاته فكرك . نبدأ بمعوّقات الإبداع النفسانيّة: إن التفكير الإبداعي و حلّ المشكلات يفترضُ أنّهما


مقدّران تقديراً عالياً و مشجّعان في كلّ المنظّمات. و لكن بالرغم من تأييد البيئة الخارجية الظاهريّ، و بالرغم من دور التغييرات داخل الأشخاص و داخل المنظمة في إطلاق الإبداع فإن العملية الإبداعية تظلّ تصطدم بعراقيل نفسانية معيّنة في كلّ مرحلةٍ من مراحلها.

إن التعرّف على هذه العراقيل و تجاوزها هو من أهم و أسرع السبل لتعظيم استفادة المرء من قدراته الإبداعية.

لسوء الحظ فإن هذه العراقيل غالباً ما تكون خارج نطاق انتباهنا أو إدراكنا.

تنبع عراقيل الإبداع النفسانية من ارتيابنا بأنفسنا، و بالتحديد، من شعورنا -بدرجات متفاوتة- بعدم أهمية ذواتنا، أو عدم مقدرتها، أو عدم محبّة الآخرين لها.

إن هذه الظنون الثلاثة تشوّه قدراتنا الفكرية و الإبداعية لأنّها تصرفنا إلى وقاية أنفسنا من تبعاتها الثلاث المفترضة؛ أي، التجاهل أو الاستخفاف، و مذلّة الهزيمة، و الرفض أو الاستبعاد.

قد تبدو هذه المشاعر بعيدة الصلة بالعملية الإبداعية، لكنّ الحقيقة هي أن تفهّمها هو مفتاح مهم لتوسيع و إغناء مقدرتنا الإبداعية ومن ثمّ ملأ صدورنا بالرضا عن أنفسنا.

و تحقيق الاستفادة المثلى من هذه الكشوف داخل ذواتنا يتطلب منظوراً غير انتقاديٍّ أو إدانيٍّ لأنفسنا؛ إذ لا بأس في شعور المرء -بمقدار معيّن- من قلّة الأهمية أو المقدرة أو القبول لدى الناس، فكل ذلك من الطبيعة البشرية.

في طريق التخلّص من هذه العراقيل النفسانية المعيقة لإبداعيتنا و تفكيرنا المنطقي سنبدأ بالتعرّف على هذه العراقيل في كل مرحلة من مراحل العملية الإبداعية.

المرحلة الأولى- التجربة experience:
قبل أن تكتشف حلاً إبداعياً لا بدّ لك من اكتساب ذخيرة من التجارب. و يتطلب هذا انفتاحك على بيئتك و على مشاعرك. ترى لماذا يبدع الفيزيائيون معظم ابتكاراتهم في الفيزياء؟ و لماذا يبتكر لاعبو كرة السلة طرقهم الجديدة في رمي كرة السلة و ليس كرة القدم؟ أجل، لأن خلفيّاتهم الغنيّة هي التي تفتح أمامهم المزيد و المزيد من احتمالات الحلول الفريدة الجديدة.

لكن هنالك عقبات داخلية تعرقل اكتساب التجربة، و أهمها:

- الخوف من عدم التعلّم
إذا كنت تشك في مقدرتك على الاحتفاظ بالمعلومات فسوف تتردّد في الإقدام على تجارب جديدة.
و إذا كنت تخشى من اختبارك فيما يفترض أنك تعلّمته، فقد تجدُ نفسك عاجزاً أو محجماً عن التعلّم و التجريب.
إذا كنت تتصوّر نفسك عاجزاً فسوف تتهرّب دائماً من المواقف التي قد تعرّضك لمذلّة الفشل.
و إذا كنتَ تقارنُ على الدوام بمن يفترض أنهم " اللامعون" فقد يصدّك ذلك و يردعك حتّى عن مجرّد التفكير في المحاولة.

- الخوف من انتهاك المعايير
هل نشأت على الاعتقاد بأن بعض القضايا هي ليست من شأنك، و أن بعض التصرفات لا ينبغي لمثلك الإقدام عليها؟ أجل، كلّنا نشأنا على شيءٍ من هذا أو ذاك. و عندما تجعل هذه الأفكار أحدنا يشعر بنفسه يتجاوز الحدود فإنّه سيحجم عن استقصاء طيفٍ واسعٍ من الظواهر، و سينطفئ توقه إلى الاستطلاع. بل قد يعزلُ المرءُ وعيه الباطن unconscious عزلاً نهائياً مع كل الإمكانات الإبداعية التي يحملها.

المرحلة الثانية – الربط association:
للخروج بناتج مفيد يجب أن تكون قادراً على ربط التجارب المتنوّعة. و النجاح في كل ميادين الفكر العلمية و الأدبية يعتمد على مقدرة ملاحظة و إنشاء الارتباطات مهما كانت بعيدة و دقيقة.

و أهم العراقيل المعيقة لإنشاء الارتباطات:

- المبالغة في تقدير العقلانية rationality
إذا أصررت على الإمساك بالزمام و مشاهدة كلّ معالم الطريق من خلال التزامك بالعقلانية المطلقة فسوف ترفض التفكير غير الخطيّ nonlinear أو الترابطيّ associative، و سوف تنأى بنفسك عن الإصغاء لحدسك intuition و ذلك بالرغم من اعتبار كثير من المبدعين لحدسهم مصدراً مهمّاً من مصادر اكتشافاتهم. و كذلك سوف تجد نفسك تلغي جزءاً كبيراً من إبداعيتك خشية الانتهاء إلى الظهور بمظهر الطائش أو المنبوذ.

- الخوف من وعي الذات self-awareness
حتّى تُنشئ ارتباطاتٍ مجدية يجب عليك اجتناب خداع الذات و أن تتفهم عواقب أفعالك. مثلاً: كان أحد مديري مخابر الأبحاث دائباً على الاستخفاف بجهود العاملين معه. لكنه أقرّ لنفسه في النهاية بأن نفوره من الإقرار بقيمة مساهمات الآخرين إنما كان ينبع من ذعره من ظهوره عاجزاً أو أدنى مقدرةً. إن تشويه صورة المنافسين كان يساعده في اجتناب أو تأجيل الشعور بأنه غير مبدع.

المرحلة الثالثة – التعبير expression:
بعد ربط التجارب أو المعلومات المتنوّعة، ينبغي أن تعبّر عن فكرتك؛ فإنشاء الارتباطات المبدع لا يكادُ يعني شيئاً ما لم تكن قادراً على توصيله. و أهم العراقيل في مرحلة التعبير هي التالية:

- الخوف من الإحراج:
إذا كنت غير واثق بقدراتك، أو تخشى النقد، أو تهاب التكلم بين الناس – أو في حضور أفرادٍ معيّنين- فسوف يصعب عليك إخراج أفكارك إلى العلن. و من ثم فإنّ هذه الأفكار ستبقى غير ناضجة لأنها لم تتعرّض للصقل نتيجة المرور بين الأذهان المختلفة.

- الخوف من إبداء الثقة و التمسّك بالأفكار:
ترى، إذا عبّرت عمّا يجول في خاطرك فهل سيبقى الناس يحبّونك؟ هل يمكن أن تقع في المتاعب نتيجة تصريحاتك؟

أجل إن إيثار السلامة مريح و لكنّه يكلّفك غالياً لو كنت تدري. فهوس المرء بحجب أفكاره أو تلميعها لترضي الجمهور سوف يخنق إبداعيته.

المرحلة الرابعة – التقويم evaluation:
إن من لا يشعر بقيمة أفكاره غالباً ما يتوقف عن متابعتها. و من هنا يظهر تمييز الإبداع عن الشذوذ ، و تفريق الإنتاج المجدي عن التبذير العقيم.

في هذه المرحلة يواجه المرء عقبتين مترابطتين تشكلان إحراجيةً زائفة false dilemma يمكن أن تزعزع مقدرته على تقويم الفكرة وتدفعه نحو واحدٍ من أمرين، أحلاهما مرّ: المتابعة في مشروع غير واعد، أو التخلّي الباكر المتسرّع عن مشروع واعد. هاتان العقبتان هما:

- الخوف من مذلّة الفشل:
إذا كان المرء يرى فكرته عظيمة القيمة بينما يراها الآخرون تافهةً فربما ينتهي به الأمر إلى أن يراه الناس متفاخراً عنيداً، أو غرّاً حالماً بما لا يمكن أن يكون.

و بسبب الخوف من هذه العاقبة يمكن أن يتقمّص المرءُ تواضعاً زائفاً أو يوهمَ نفسه بأن ابتكاراته غير عمليّة فلا تستحق الاهتمام أو أنها لم تأت بجديد يذكر.

- الخوف من الرفض:
من ناحيةٍ أخرى، خوف المرء من رفض الناس له قد يدفعه إلى التقليل من شأن فكرته أو منتجه الجديد، و لكن إذا قام المرء بذلك فكيف يمكن للناس أن يحفلوا بفكرته أو به شخصياً؟ إذا كنت أنت لا تقدّر فكرتك فمن أين لهم أن يقدّروها و يقدّروك؟

المرحلة الخامسة – المثابرة حتّى الإنجاز Perseverance:
الأفكار الابتكارية الأصيلة مصدرٌ يملأ النفس بهجة، و لكن إذا لم يثابر المرء على العمل عليها فإنه لا يكادُ يحصّل من وراءها على غرضٍ ملموس أو منفعة مادية تذكر.

و هكذا نرى مبدأ التحسين المتواصل continuous improvement ينص على وجوب خضوع أيّ منتج أو عملية للصقل و الإكمال بدون نهاية.

و هكذا نرى معظم الكتّاب لا يتوقّفون عن تنقيح كتاباتهم، و الفنّانين يعيدون تشكيل أعمالهم مرةً بعد مرة إلى أن تولّد الإحساس المطلوب.

أهم العقبات المواجهة في هذه المرحلة هي:

- الخوف من الفشل
يقول أحدنا في نفسه، ماذا إذا سرت بأفكاري إلى التطبيق النهائي لأجد أنّها ليست بالجودة أو القيمة التي كنت أظنّها؟ - و بكلماتٍ أخرى لتجد أنّك ضعيف المقدرة؟- و هكذا يؤثر بعض الناس السلامة و يختارون منذ البداية القعود أو التراخي عن الوصول بفكرتهم أو منتجهم إلى مرحلة العمل الإبداعي الحقيقي المنجز.

- افتقاد المكافأة أو ضآلتها
إن كثيراً من النشاط الإبداعي لدى المرء إنما يحفزه الإعجاب المثار لدى الآخرين، و لسوء الحظ لدى كثير من الناس فإن العمل اللازم لتحويل الفكرة الإبداعية إلى منتج هو أقلّ توليداً للمكافأة من مجرّد الفكرة.

سل نفسك هل أنت صاحب أفكار بدلاً من أن تكون صاحب خطوات تنفيذ تفصيلية؟ إذا كنت كذلك فاعلم أن هذا الموقف قد يكون ناجماً عن خشيتك من ضعفك في عملية المتابعة، و هذا يعني أن أفكارك الإبداعية لن تصل إلاّ إلى العدم.

تأمّلات و مراجعات:
تهدف الأسئلة التالية إلى مساعدتك في تقويم نقاط ضعفك و قوتك في استثمار قدراتك الإبداعيّة.
1- في كلّ مرحلةٍ من مراحل عملية الإبداع، أي العقبات تبدو مألوفةً لديك و ترى ضرورة التخلص منها؟
2- هل تواجه أية عقبات في اكتساب المعرفة؟ هل تخشى عدم تذكر المعلومات؟ هل تهاب استكشاف نواحٍ شخصية معيّنة؟
3- هل تطوّر مقدرة إنشاء الارتباطات الإبداعيّة؟ هل تتردّد في إطلاق العنان لعقلك ليذهب حيثما يريد؟ و إذا كنت تتردّد أو تحجم فلم ذلك؟
4- هل أنت مثبّطٌ عن الكتابة أو التحدّث؟ هل تخشى السخرية؟ هل تخشى إظهار نفسك بمظهر ركيك؟
5- هل تثق بحكم نفسك على جهودك الإبداعيّة؟
6- هل تجد صعوبةً في الالتزام بالمبادرات حتى الإنجاز؟ هل تخشى الفشل في التنفيذ؟ أم تخشى خيبة الأمل عند النهاية؟ لم ذلك؟

إن تذليل عوائق الإبداع يكمن في تقدير الذات الذي يزدهر في المنظمة الملتزمة بالانفتاح و الصدق، المنظمة التي يستطيع كل أحد فيها التعبير عن اهتماماته كما يشاء، و يلمس فيها التقبّل و الترحيب بإنسانيته.

عندما نستطيع التركيز على المشكلات و ليس على الدفاعات و الملاجئ، و عندما لا نجد أي حرج أو مهابة من البوح بمخاوفنا فإن المنظمة تكون آنئذٍ مجتمعاً يساعد كلَّ فردٍ فيه على استكشاف عقبات الإبداع و تذليلها و اختبار إبداعيّةٍ محلّقةٍ فوق كلِّ الحدود.
البروفيسور فيل شوتز / مجلة عالم الابداع

 

 
     



المقالات الأكثر قراءة :     1: علاج الاسهال بالاعشاب الطبية (333083 قراءة)    2: فن تنمية الذكاء (249039 قراءة)    3: 19 طريقة للتخلص من الملل ؟ (197829 قراءة)    4: علاج البواسير بالاعشاب الطبية (164211 قراءة)    5: خصائص و أنواع الشخصية البشرية و كيفية التعامل معها (142436 قراءة)    6: الخريطة الذهنية تنظم أفكارك ! (109876 قراءة)    7: من عجائب الاكتشافات العلميه! (84542 قراءة)    8: ستة طرق لتقوية الذاكره وطرد الشرود الذهني (81235 قراءة)    9: العلاج بالضغط على القدمين والكفين (69392 قراءة)    10: الفياجرا للرجال فقط!! (65690 قراءة)    11: دراسة علميه حديثه تثبت فوائد الحجامه (58841 قراءة)    12: كيف تعمل على تنشيط دماغك ؟ (57729 قراءة)    13: مفهوم الطاقة في التنمية البشرية ! (57535 قراءة)    14: الإعجاز العلمي لمكة المكرمة! (51288 قراءة)    15: برمجة العقل السريعة !! (44502 قراءة)  
 




روابط ذات صلة· زيادة حول مقالات-علمية

أكثر مقال قراءة عن مقالات-علمية
فن تنمية الذكاء