يبدو أن
العلم ذو حدين أولهما فيه خير البشرية وصلاحها وسلامتها، والثاني فيه شر البشرية
وفسادها ومرضها... ومن أقوى الشواهدعلى ذلك الأبحاث النووية، فبعضها مسخر لأغراض
سلمية، وبعضها لأغراض حربية، و في التوجه الاخير الخطر الكبير والدمار الاعظم للناس
والحيوانات والنبات والبيئة.
ولاشك في أن رجال السياسة هم الذين يستثمرون جهود العلماء لتحقيق مآرب الدول
وأغراضها.
ومنذ زمن غير طويل قال الفيلسوف «شبنهاور »مامفاده: إن أسوأ
زمن للعالم حين يقبل ان يستخدم علمه لتسويغ عمل سياسي شرير. وهذا بالضبط
|
وهذا بالضبط ماتفعله دوائر الغرب ولاسيما الاوساط
الحاكمة في الولايات المتحدة الامريكية.
وقد استمعت بالامس القريب الى برنامج تلفازي بثته
احدى المحطات الفضائية قال فيه العالم الكرواتي «اصف درا كوفيتش» مدير
المركز الطبي لابحاث اليورانيوم: انه فقد وظيفته بسبب ابحاثه المتصلة
باثار حرب أفغانستان.. والتي كشف فيها عن استخدام اليورانيوم المنضب في
تلك الحرب على نطاق واسع وكبير جداً... وكذلك كان الأمر بخصوص علماء
اميركيين آخرين صدعوا بآرائهم في حقيقة ماتركته تلك الحرب من مخاطر
جسيمة جدا على الناس والبيئة في أفغانستان... ومماقاله العالم «داركوفيتش
»ان حجم اليورانيوم المنضب المستخدم في حرب افغانستان يفوق ما استخدمته
اميركا في حرب الخليج الثانية ضد العراق عام 1991 بمئتين، بل ثلاثمئة
مرة... وقد صارت آثار اليورانيوم المنضب على بعض الولادات العراقية
معروفة للقاصي والداني، من حيث انجاب اطفال مشوهين، ومن حيث زيادة
انتشار السرطان في هذا البلد العربي، ولاسيما بين الاطفال الذين بلغ
عدد المصابين منهم بالسرطان نحو نصف مليون طفل.
والعالم آصف دار كوفيتش لايصدر عن هوى، ولايقوم
بدعاية من نوع ما، فهو ينفق على أبحاثه من ماله الخاص، وقد أحرز سمعة
دوليةمرموقة اذ نشر 116 بحثاً علمياً في مجالات محكمة، وحصل على مئة
شهادة تقدير... وكان التحقيق الذي نشرته معه صحيفة التايمز في 30
حزيران حول استخدام اليورانيوم المنضب وآثاره قد هز أوروبا وهو الآن
يقوم بتجارب على عينات اخذها من بعض المدن الافغانية: كابل وقندهار
ومزار الشريف وغيرها. وهي عينات من البشر ومن البيئة. ومن خلال فحص
بعضها تبين له بالدليل القاطع ان امريكا قد استخدمت اليورانيوم المنضب
في حربها ضد أفغانستان، على نطاق واسع جدا.
وإذا عرفنا ان انتشار الغبار المشع من جراء القصف
باليورانيوم يمتد الى مدى خمسين كيلومترامن مركز الانفجار، أدركنا
مقدار الخطر والدمار الشامل لهذا السلاح. أما إذا كانت الرياح قوية
والكمية كبيرة فقد يمتد حتى سبعمئة كيلومتر..
وعليه فإن بعض الدول المجاورة لأفغانستان ستتأثر
ايضاً ..والغبار المشع يسبب تغييراً في طبيعة المورثات البشرية التي
تتعرض له وأضرارا ًفي النخاع الشوكي، وضعفا في المناعة، وفرصاً قوية
للإصابة بالسرطان، وهنا حجم الجريمة التي قام بها الامريكيون الذين
ينكلون بالعلماء الذين يتمتعون بالحس الانساني المرهف والمسؤولية
الاخلاقية، وهم يجرون أبحاثهم والحق أن ماتقوم به أمريكا من طرد لهؤلاء
العلماء وتنكيل بهم وإفقادهم وظائفهم يكشف عن وجهها القبيح من جهة،
ويؤكد تلبسها بجرائم حرب ارتكبها جنودها في مناطق عديدة من العالم
سابقاً وقد يرتكبونها ايضاً في المستقبل ومن هنا نفهم لماذا تصر أمريكا
على استثناء جنودها ورعاياها من الملاحقة القانونية من بعض المحاكم
الدولية التي تعاقب مجرمي الحروب؟!.
ولابد من الاشارة هنا الى أن علماء التكنولوجيا
والكيمياء والجراثيم والذرة واليورانيوم وغيرهم ممن يعملون في الدوائر
العسكرية الاستعمارية، مطالبون قبل غيرهم بأن يصغوا الى صوت الوجدان
والضمير وأن يمارسوا اقصى درجات المسؤولية الاخلاقية عن أبحاثهم.
|
|