الحلم النووي العربي.. وعودة الروح
   
   
 
 

أرسلت في الأربعاء 26 نوفمبر 2003 بواسطة أفكار علمية

 
  الحلم النووي العربي.. وعودة الروح

في عام 1954، وباقتراح من الولايات المتحدة الأمريكية، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على تأسيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وما إن صدر القرار بذلك حتى أعلنت إسرائيل رسميًا عن إنشاء أول لجنة من نوعها للطاقة الذرية؛ ليكون ذلك أول إعلان رسمي بأنها ماضية قدمًا في طريق حيازة وامتلاك السلاح النووي، لتجر المنطقة بأكملها إلى سباق نووي محموم. وطوال نصف قرن، هو عمر هذا السباق تقريبًا، كانت مصر والعراق والجزائر الدول العربية الوحيدة المهتمة والمؤهلة تاريخيًا وتقليديًا لولوج النادي النووي، واقتربت العراق ـ في بعض الأوقات ـ من تحقيق الحلم النووي العربي الذي كان يمكنه إحداث التوازن الإستراتيجي مع إسرائيل، غير أن ضرب إسرائيل للمفاعل النووي العراقي سنة 1981، وهزيمة العراق في حرب الخليج الثانية سنة 1991، وما تبعها من

فرض عقوبات صارمة عليه، وكذلك اندلاع الحرب الأهلية في الجزائر، وما صاحبها من خلل اقتصادي وسياسي كل ذلك أبعد البلدين عن امتلاك الخيار النووي لمدة عشر سنوات أخرى من الآن على أقل التقديرات؛ لتبقى مصر في الصدارة وتنفرد بكونها الدولة العربية الوحيدة المرشحة للانتقال بالوطن العربي إلى عصر القوة النووية؛ فهي أول دولة عربية دخلت هذا المضمار (تشكلت فيها أول لجنة للطاقة الذرية سنة 1955)، وأكثر الدول امتلاكًا للعقول والخبرات العلمية في المجال النووي (بدأت أولى البعثات المصرية في هذا المجال في نوفمبر سنة 1956، وهو ما يعني وجود أكثر من جيل نووي في مصر)، كما أنها قطعت شوطًا لا بأس به في مجال حيازة الطاقة النووية (حيث تمتلك مفاعلين للأبحاث الأول تأسس في أنشاص سنة 1961، والثاني المفاعل الأرجنتيني الذي تأسس سنة 1998). الحلم النووي المصري كل هذا يعني أن مصر هي المرشحة الوحيدة الآن لمعالجة اختلال التوازن الإستراتيجي في المنطقة لصالح إسرائيل؛ ومن ثم يمكن النظر إلى قدرة مصر في هذا المجال باعتبارها مؤشرًا لمدى قدرة العرب على الدخول في النادي النووي، ومؤخرًا صدر كتاب (البرنامج النووي المصري: التطور التاريخي والآفاق المستقبلية) والذي يمكن اعتباره أهم ما صدر عن المشروع النووي المصري منذ بدايته وإلى الآن.. الكتاب عبارة عن أبحاث ندوة نظمتها وحدة دراسات الثورة المصرية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، وذلك عقب إعلان الهند وباكستان عن تفجيراتها النووية سنة 1998. والكتاب هو أول دراسة موثقة عن المشروع النووي المصري جاء كوثيقة شبه رسمية أو شهادة وفاة للحلم النووي العربي؛ إذ إن النتيجة الوحيدة والواضحة التي يخرج بها الكتاب هي أن البرنامج النووي المصري يعيش حالة احتضار؛ إن لم يكن قد انتهى أمره فعليًا وقت صدور الكتاب.. وخطورة هذه الشهادة أنها تقترب من أن تكون رسمية؛ فهي صادرة عن مركز الأهرام، وشارك فيها عدد من كبار الباحثين في العلوم السياسية والإستراتيجية، إضافة إلى خبراء بارزين في الطاقة النووية شارك معظمهم في بناء المشروع النووي المصري منذ بداياته، بعضهم تولى الإشراف عليه في بعض الأحيان، وكلهم يمثلون الجيل الأول لخبراء الطاقة النووية في مصر والعالم العربي. (نحو 22 خبيرًا إستراتيجيًّا وذريًّا). الكتاب يكشف من خلال شهادة رؤساء هيئة الطاقة الذرية أن المشروع النووي المصري الذي بدأ طموحًا سنة 1955 وبدا أنه بإمكانه التوسع والنمو، سرعان ما بدأ يتراجع بشكل ملحوظ بعد هزيمة يونيو سنة 1967؛ حيث توجه الدعم المادي وموارد البلاد نحو تسليح الجيش المصري وإعادة بنائه، ورغم ذلك لم يأخذ الاهتمام الكافي به؛ حيث أعلنت القيادة السياسية تركيز جهودها وتوجيه مواردها للإصلاح الاقتصادي، وإعادة بناء البلاد بعد الانتهاء من الحرب، فشهدت فترة السبعينيات تراجعًا مستمرًا في الاهتمام به، خاصة مع توقيع اتفاقيات السلام مع إسرائيل وهجرة معظم علماء الذرة المصريين خارج البلاد (بعضهم التحق بالعمل في المشروع النووي العراقي)، ثم وصل التراجع إلى منتهاه بتصديق مجلس الشعب المصري على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية سنة 1981، رغم عدم تصديق إسرائيل عليها، وهو الخطأ الإستراتيجي الفادح الذي كررته مصر بالتوقيع على اتفاقية الحظر الشامل للتجارب النووية في ديسمبر سنة 1996، وهو ما اعتبره المشاركون في الندوة بمثابة إعلان رسمي (علني) بالتخلي عن الخيار النووي. حلم يكاد يتلاشى ويعدد د. أمين الخشاب- الأمين العام الأسبق لهيئة الطاقة الذرية- الأسباب التي أدت إلى التراجع الشديد للمشروع؛ فيذكر في مقدمتها عدم تعاون القيادات العلمية والإدارية بمؤسسة الطاقة الذرية ودخولها في صراعات ونزاعات، وعدم الاستقرار الإداري، وهو ما أدى إلى تعاقب أكثر من 12 قيادة على رئاسة الهيئة في فترة وجيزة، حتى إن بعضهم لم يستمر في منصبه سوى عدة أشهر (مثل د. أحمد حماد الذي لم يكمل عامًا في منصبه من 1959-1960) في حين تحتاج مثل هذه المؤسسات إلى نوع من الاستقرار، وزاد من فداحة الأمر أن كل تغيير في المسئولين كان يصاحبه تغيير في السياسات والتوجهات التي تنظم عمل الهيئة، وهو ما ظهر في تمزق الهيئة وتفتيت وحداتها وتغير سياستها بعد ترك "صلاح هدايت" لإدارتها (1960- 1965). ومن ضمن الأسباب التي يذكرها الكتاب، والتي أعاقت نمو البرنامج النووي المصري، خطأ حسابات القيادة السياسية في رصد خريطة القوى النووية العالمية، ومدى إمكانية تعاون بعضها في مساعدة مصر على بناء قدرة نووية؛ حيث رفض المصريون (في أثناء المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية بفيينا سنة 1966) عرضًا أمريكيًا بتزويد مصر بمفاعل نووي مقابل السماح بتزويد إسرائيل بنظير له، وكانت أمريكا تحاول سحب البساط من الاتحاد السوفيتي.. كما لم تستفد الحكومة المصرية من علاقاتها مع كندا في الحصول على مفاعل نووي مثلما فعلت الهند، وألقت القيادة المصرية في عهد عبد الناصر بكل أوراقها في الملعب السوفيتي، خاصة مع تعهد السوفيت ببناء مفاعل نووي لمصر؛ لإحداث توازن مع القوة النووية الناشئة في إسرائيل؛ ولكن الاتحاد السوفيتي أخل بتعهداته، بل حاول تعطيل بناء المفاعل النووي الأول الذي استكمل سنة 1961، وانسحب الخبراء الروس قبل إتمامه بحجج مختلفة، بل وتدخلت القيادة السوفيتية لدى الكنديين للحيلولة دون حصول مصر على مفاعلات (كاندو) المتوسطة، بعدما رأوا إصرار المصريين على استكمال قدراتهم النووية في ذلك الحين، بل ويؤكد د. عثمان المفتي- الذي تأسس أول مفاعل نووي عربي تحت رئاسته- أن الاتحاد السوفيتي لم يكن جادًا في يوم من الأيام في وعوده بمساعدة مصر على بناء قدرة نووية؛ حيث رفض الروس السماح لأي من أعضاء أول بعثة علمية أرسلها عبد الناصر سنة 1956 بدراسة أي تخصص يتعلق بالطاقة النووية بحجة أن ذلك مقصور فقط على الروس! وكان من أعضاء هذه البعثة عالم الذرة الشهير د. يحيى المشد، فاضطر إلى دراسة الكمبيوتر بدلاً من الطاقة الذرية التي كان من المفترض أن البعثة مخصصة لها! وجاء تفتيت مؤسسة الطاقة الذرية سنة 1976 وانفصال أقسامها إلى عدة كيانات مستقلة كأحد الأسباب الرئيسية للتدهور الذي أصاب البرنامج النووي المصري؛ حيث تفتت الهيئة وتولدت عنها مؤسسة لمحطات توليد الكهرباء، وهيئة للمواد النووية، إضافة إلى هيئة الطاقة الذرية.. وتوزعت هذه المؤسسات في تبعيتها على عدة جهات ووزارات مختلفة (مثل البحث العلمي أحيانًا، ووزارة الكهرباء والطاقة أحيانًا أخرى)، وكان الخطأ ليس فقط في انعدام التنسيق بين هذه المؤسسات المتكاملة بطبيعتها؛ وإنما في أن مثل هذه المؤسسات بالغة الأهمية والخطورة لم توضع تحت إشراف جهات سيادية عليا كرئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء، كما يحدث عالميًا؛ فأصبحت هيئة الطاقة الذرية –مثلاً- تابعة لوزارة الطاقة والكهرباء، في حين تحتاج إدارة مثل هذه المؤسسات إشرافًا مباشرًا من أعلى جهة سيادية في البلاد لضمان عدم توقف العمل، وانتظامه وفق ما هو مخطط له. اتفاقية الحظر.. الضربة القاضية على أن أخطر ضربة وجهت للمشروع النووي المصري كانت في التوقيع على اتفاقية الحظر الشامل للتجارب النووية في ديسمبر سنة 1996، ثم الموافقة على البروتوكول النموذجي الإضافي الذي أقرته الوكالة تقضي تمامًا على إمكانية تطوير البرنامج النووي المصري عسكريًا، كما يشير د. مصطفى علوي الخبير الإستراتيجي البارز ووكيل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة في ورقته عن مستقبل البرنامج النووي المصري؛ لأن هذا البروتوكول يستهدف تطوير نظام التفتيش والمراقبة على المرافق والمنشآت والمواد النووية لدى الدول غير المالكة للأسلحة النووية والمرتبطة مع الوكالة باتفاقات (مثل مصر وبقية الدول العربية) أكثر صراحة وأشد تدخلاً في سيادتها الوطنية، وهو نظام يستلهم فلسفته من تجربة الوكالة واليونسكو مع العراق بعد هزيمته في حرب الخليج الثانية. وقد انعكس كل ذلك على البرنامج النووي المصري سلبيًا، حتى أصبح شبه مجمد فعليًا، وهو ما نبه إليه د. فوزي حماد الذي كان رئيسًا لهيئة الطاقة الذرية المصرية وقت انعقاد الندوة؛ حيث أشار إلى أنه ولأول مرة في العقود الأخيرة يغيب البعد النووي من سياسة الطاقة المصرية؛ إذ إن السياسة المعلنة حتى عام 2017 ليس فيها أي اتجاه نووي، وهو ما من شأنه -على حد قول د. حماد- أن ينتهي بتجميد المشروع النووي المصري تمامًا. عودة الروح ويثمن الكتاب من التركيز على الخيار الدبلوماسي الداعي لجعل المنطقة خالية من جميع أسلحة الدمار الشامل، وهو خيار يرى د. مصطفى علوي أنه أقرب لطبيعة السياسة الخارجية المصرية، ويتوافق مع أوضاع المرحلة الحالية، كما يمكن أن يمثل ضغطًا عالميًا لجر إسرائيل إلى التصديق على اتفاقية منع الانتشار النووي، كما فعل العرب، ويضيف إليه الخيار التكنولوجي الذي يتيح استمرار نمو البرنامج النووي المصري، ولكن في الاتجاه السلمي، خاصة أن خطاب الدولة المصرية يستبعد تمامًا الخيار العسكري النووي، حتى إنها أعلنت عن رفض القيادة المصرية في أوقات سابقة عرضًا من إحدى دول الكومنولث الروسي لامتلاك السلاح النووي، بل وقامت بإغلاق مفاعل "الضبعة" غرب الإسكندرية بعد كارثة انفجار مفاعل "تشير نوبيل". ويفسر د. مصطفى علوي عدم إلحاح مصر على امتلاك السلاح النووي بإحساسها بوجود توازن هيكلي في المنطقة لا يسمح لإسرائيل باستعمال الأسلحة النووية، حتى في حال دخولها في حروب، مثلما حدث في حرب 1973، ورغم ذلك يؤكد على خطورة غياب قوة ردع نووية عربية. ولعل ما يؤكد ذلك الاتجاه السلمي للقيادة المصرية، ويحيي الأمل في المقابل في بقاء المشروع النووي المصري حيًّا، ما أسفرت عنه الزيارة الأخيرة للرئيس المصري إلى روسيا من توقيع مذكرة تفاهم لتوسيع وتعميق التعاون بين الدولتين في مجال الاستخدام السلمي للطاقة النووية.

 

 
     



المقالات الأكثر قراءة :     1: علاج الاسهال بالاعشاب الطبية (333100 قراءة)    2: فن تنمية الذكاء (249047 قراءة)    3: 19 طريقة للتخلص من الملل ؟ (197843 قراءة)    4: علاج البواسير بالاعشاب الطبية (164214 قراءة)    5: خصائص و أنواع الشخصية البشرية و كيفية التعامل معها (142443 قراءة)    6: الخريطة الذهنية تنظم أفكارك ! (109882 قراءة)    7: من عجائب الاكتشافات العلميه! (84544 قراءة)    8: ستة طرق لتقوية الذاكره وطرد الشرود الذهني (81239 قراءة)    9: العلاج بالضغط على القدمين والكفين (69409 قراءة)    10: الفياجرا للرجال فقط!! (65692 قراءة)    11: دراسة علميه حديثه تثبت فوائد الحجامه (58843 قراءة)    12: كيف تعمل على تنشيط دماغك ؟ (57733 قراءة)    13: مفهوم الطاقة في التنمية البشرية ! (57535 قراءة)    14: الإعجاز العلمي لمكة المكرمة! (51290 قراءة)    15: برمجة العقل السريعة !! (44508 قراءة)  
 




روابط ذات صلة· زيادة حول مقالات-علمية

أكثر مقال قراءة عن مقالات-علمية
فن تنمية الذكاء