احمد زويل ..من الالف الى الياء
   
   
 
 

أرسلت في الخميس 24 مارس 2005 بواسطة afkaaar

 
  احمد زويل ..من الالف الى الياء

عندما فزت بجائزة نوبل أخبروني وقالوا...«هذه هي آخر عشرين دقيقة سوف تنعم فيها بالهدوء فى حياتك
كان والدي مقيمًا بالإسكندرية وبعد الحرب العالمية الثانية عمت البلاد حالة من الكساد والتدهور الاقتصادي وهذه الحالة هي التي دفعت والدي إلى مغادرة الإسكندرية إلى دسوق، وهناك أقام مشروعًا تجاريًا وتزوج والدتي التي نشأت في دمنهور وظلت عائلتي تحيا بين دمنهور والإسكندرية. ولدت عام 1946م في مدينة دمنهور التي تقع على الطريق الزراعي بين .........


القاهرة والإسكندرية، وهي عاصمة محافظة البحيرة. ودمنهور مدينة فرعونية قديمة يعتقد أنها كانت تضم معبدًا لإله الشمس «حورس»، وكانت تسمى مدينة حورس أي «دمى-ن-حر» بالفرعونية ثم حرف الاسم إلى دمنهور فيما بعد. أرض موطني تجود بأطيب أنواع الفاكهة، وأهلها يتمتعون بروح تشع بالضياء الداخلى، وقد أخذت لنفسي نصيبًا من شمس حورس التي صافحتني أشعتها منذ ميلادي. أما محطة الميلاد في دمنهور نفسها - وقد كانت عائلتي تقطن دسوق - فقد كانت مصادفة بحتة. فوالدي حسن زويل، ووالدتي روحية ربيع دار، المقيمان في دسوق التي تبعد عن دمنهور 20 كيلو مترًا كانا في زيارة لجدتي - أم والدتي - وفجأة شعرت بآلام المخاض في شتاء 26 فبراير 1946م، وشهد منزل جدتي أول محطة لي في هذا العالم.
ظللت في هذه المحطة 40 يومًا ثم عادت بي والدتي إلى دسوق حاملاً كنية «شوقى» ربما لأني جئت للعالم بعد زواج والدي بخمس سنوات،ربما كان تعبيرًا منهما عن شوق لهذا الطفل، ربما، وظلت هذه الكنية معي حتى دخلت الجامعة فعرفني الجميع باسمي الأصلي في شهادة الميلاد، أحمد.
* محطة الطفولة تحددت معالمها بإطار مسجد سيدي إبراهيم الدسوقي، كانت محطة تقترب إلى الروحانية، دون أن نعي جيدًا مفهوم الروحانية، كنا نجد أنفسنا منجذبين إلى المسجد إما للصلاة أو الاستذكار، وقد شكل المسجد نواة للدراسة الجدية في ذلك الوقت لدينا ولدى من هم أكبر سنًا، كان محورًا لحياة أهل مدينتي في عمومهم، وكان بمنزلة قوة جاذبة للعمل والحياة معًا.
* شهدت محطة الطفولة منغصات تبدو لي الآن ضئيلة وإن كانت في وقتها مثيرة للحنق، في مدرستي الابتدائية «النهضة» فرغم أن صوت العلم وقيمته كان يعلو على أي شيء إلا أن أسوأ ما في العلم كان «الحفظ» في بعض المواد الدراسية عن ظهر قلب، دون الالتفات إلى الفهم أو البحث عن أجوبة لتساؤلات الطلاب، والعقاب البدني كان منغصًا آخر لي في هذه الفترة، فرغم أنه لم يكن قاسيًا أو مؤذيًا فإن الفكرة بحد ذاتها كانت مهينة.
* عام 1956م شهد محطة مهمة في حياتي، وكنت وقتها في العاشرة من عمري، كنت متحفزًا لأبعد الحدود لرؤية الرئيس جمال عبد الناصر أول رئيس جمهورية مصري، كتبت له خطابًا قلت فيه «ربنا يوفقك ويوفق مصر» كانت لدي رغبة في الكتابة له ولم أكن أدري ماذا أقول، كنت في داخلي أتمنى له التوفيق وأتمنى أن تتقدم بلادي فكتبت ماشعرت به ولم أزد، وأرسلته، وفي العام نفسه وصلني منه الرد، تسلمت خطابًا من الرئيس جمال عبد الناصر ردًا على خطابي - مازلت أحتفظ به لليوم - وأتذكر الرجفة التي سرت في بدني وهزت مشاعري لدى رؤية اسمي في خطاب خطه الرئيس بيده ووقعه قال فيه «ولدي العزيز أحمد، تحية أبوية وبعد، تلقيت رسالتك المعبرة عن شعورك النبيل فكان لها أكبر الأثر في نفسي وأدعو الله أن يحفظكم لتكونوا عدة الوطن في مستقبله الزاهر وأوصيكم بالمثابرة على تحصيل العلم مسلحين بالأخلاق الكريمة لتساهموا في بناء مصر الخالدة في الحرية والمجد، والله أكبر والعزة لمصر».
* محطة بداية العلاقة بصوت أم كلثوم بدأت وعمري وقتها 13 عامًا عندما بدأت أستمع لأغانيها. وظللت معي 40 عامًا كاملة. هذه المحطة كانت بواسطة خالي رزق دار تعلمت منه أشياء كثيرة، كيف أقرأ وأحب الاطلاع، كان يقطن في المبنى نفسه الذي نعيش فيه، علمني منهج القراءة الانتقادية للصحف، كيف أقرأ بعين فاحصة. كنت أقضي وقتًا طويلاً معه، وصار فيما بعد رجل أعمال ناجحًا في التصدير والاستيراد وامتلك ورشة كبيرة للسيارات، وفي بيته تعلمت لعبة «الكاول» النرد وكانت أول رحلة صحبني معه فيها للقاهرة لحضور حفل لأم كلثوم وكانت بدايتي مع صوت هذه السيدة الرائعة وظللت أسمعها منذ ذلك الحين وحتى الآن. ومكانة هذه السيدة لدى المصريين تشبه مكانة موتسارت وبيتهوفن لدى الغربيين، هذه السيدة أسهمت في التأثير على وجداني طوال هذه الفترة صورتها في مكتبي إلى جوار زوجتي وأولادي، ومكتبتي عامرة بكل أغانيها.
* محطة المرحلة الثانوية بمدرسة دسوق كانت محطة صعبة شهدت توترات مختلفة عن التي يعيشها الشباب في مثل سني، كان رهاني هو الحصول على درجات عالية بغض النظر عن المواد المختارة، كنت مولعًا بمسائل الكيمياء والميكانيكا والفيزياء، وفي هذه المرحلة بدأ السؤال، كيف تعمل الأشياء؟ وماهية كل شيء؟ وفي هذه المواد حصلت على أعلى الدرجات وأقل الدرجات في اللغة العربية والتاريخ!
* محطة الجامعة كانت بدايتها شجنًا بالنسبة لي كانت فكرة الانتقال من دسوق إلى الإسكندرية - رغم عشقي للإسكندرية - فكرة صعبة على النفس، والأصعب البعد عن الأهل الذين يشكل الارتباط بهم عماد حياتي، ففي الريف تأخذ العلاقات الإنسانية معاني أعمق وأقوى بكثير من تلك في المدينة. كانت صعوبة المحطة أيضًا في الانتقال من بيئة اجتماعية وثقافية إلى بيئة أخرى مغايرة لها تمامًا، والحياة وحيدًا كانت صعوبة أخرى.. أتذكر يوم دخولي الجامعة للمرة الأولى والدموع التي انهمرت على وجنتي فقد كان للجامعي رهبة ومكانة عالية في نفسي، كان أول احتكاك بالجنس الآخر وكان محكًا ليس سهلاً! المجتمع الجامعي وقتها كان نموذجيًا كنا نتلقى محاضراتنا في مكاتب أساتذتنا كان عددنا ليس كبيرًا وكانت العلاقة بالأساتذة مثالية يحيطها الاحترام والتفاهم والمحبة، وفي الجامعة كنت أحصل على مكافأة شهرية لتفوقي. كان مناخًا رائعًا. وتخرجت وعينت معيدًا بمرتب 17 جنيهًا، إضافة إلى جنيهات أربعة للتميز.
* 1967م كان عامًا عصيبًا بالنسبة لي كنت أجري أبحاثي للدراسات العليا وقتها وسط جو من الانكسار النفسي الرهيب، أما الأكثر ألمًا فكان الإحساس بالخديعة. كانت وسائل الإعلام تزف البشري بالنصر ونحن مهزومون، في هذه الفترة ونتيجة حالة الإحباط المرير التي عاشها المصريون هاجر عدد كبير منهم إلى الخارج، وبعد ثمانية أشهر من بداية العمل على الأبحاث حصلت على درجة الماجستير. في هذا الوقت حصلت على منحة لتحضير درجة الدكتوراه من جامعة بنسلفانيا ، ولكن إدارة الجامعة لم توافق على سفري، لأن اللائحة المعمول بها تنص على عدم الموافقة على السفر إلا بعد مرور عامين من حصولي على درجة الماجستير، ومررت بفترة عصيبة جدًا أحاول الخروج من هذا المأزق، حيث إن فرصة السفر والدراسة في أمريكا كانت فرصة مهمة بالنسبة لباحث في مقتبل عمره، وجامعة بنسلفانيا جامعة مرموقة لا توافق على منحة لأي شخص إلا إذا كان متميزًا، وظللت أفكر في وسيلة لحل هذه المعضلة، ونظرًا للجو العلمي الرائع سواء بين الأساتذة والطلاب، أو بين الطلاب وبعضهم بعضًا فقد كان الخروج من المأزق عن طريق توقيع زملائي من المعيدين على طلب بعدم رغبتهم في السفر في الفترة الحالية حتى أتمكن أنا من السفر، وقد كان وبدأت الإعداد للسفر.
* في هذا التوقيت بدأت أفكر في الزواج وهي محطة أخرى تسبب فيها التفكير في سفري، وكرجل ريفي تربى في بيئة محافظة صارت الرغبة ملحة لدي في الزواج وبدأت التفكير في محيطي والقريبين مني عن زوجة مناسبة، وكان اختياري لميرفت، كانت طالبة أقوم بالتدريس لها في الفرقة الثالثة بكلية العلوم، كانت وقورة، جادة، أعجبت بتصرفاتها وأسلوبها، وسريعًا تقدمت لأهلها طالبا الزواج بها، وفي شهور قليلة كنا نركض سويًا لإتمام شيئين في ذات الوقت: الزواج، وإتمام الأوراق اللازمة لسفرنا معًا، لم ننتبه في زحام الانشغال بهذه الإجراءات إلى أننا لم نحصل على فرصة كافية كي يعرف كل منا الآخر قبل الزواج. كان المشهد رومانسيًا في مخيلتي أن أطير بصحبة عروس جديدة، إلى مكان جديد، في تجربة جديدة.
* محطة الخروج من مصر كانت محطة مؤلمة بالنسبة لي، كان الوقت أغسطس 1969م وكان المشهد مؤثرًا جدًا اختلطت فيه الدموع بالخوف من المستقبل بالقلق من الرحلة الطويلة، فقد توقفنا ترانزيت في روما، وباريس، ولندن قبل الوصول إلى أمريكا، ألمي عند الخروج من مصر لم أشعر به من قبل حتى عندما غادرت قريتي إلى الإسكندرية في أول خروج لي من حضن عائلتي، هذه المرة كان شعوري مختلفًا، كأن انقباضًا حادًا اعتصر قلبي، وللآن لم أستطع نسيان شعوري الأول، هذا رغم تعدد الأسفار - فيما بعد- ومازلت غير قادر على وصفه.
* أولى المفاجآت في محطة الوصول إلى أمريكا كانت في مطار فيلادلفيا، حيث هبطنا متصورين أننا سنخرج لنلقى جنات عدن، عبرنا الوجوه الباسمة المرحبة بكل قادم في المطار وغادرنا بوابة الخروج لنفاجأ بأول مشهد وقعت عليه عيوننا في الأرض الأمريكية، مقبرة للسيارات القديمة والمحطمة جراء حوادث طرق أو المباعة كقطع للخردة، هذا المشهد شكل صدمة للهابطين الجدد على الأرض الأمريكية. كان في انتظارنا اثنان من طلاب الدراسات العليا أحدهما أردني والآخر فلسطيني اصطحبانا إلى جامعة بنسلفانيا وهي جامعة خاصة أنشئت عام 1779م وقامت على مبادئ مؤسسها الأول بنجامين فرانكلين بمفهوم ثوري جديد تفتح الباب أمام الطلاب لتعلم العلوم الحديثة على أسس ومبادئ دون النظر لطوائفهم.
* أما ليلتي الأولى فقد كانت غريبة قضيناها أنا وزوجتي في مبنى يشبه الكنيسة ملحق بالجامعة يستخدم كمكتب لرعاية الطلاب الجدد، بطبيعة الحال كان غريبًا على شخص مثلي قضى طفولته في مدينة سيدي إبراهيم الدسوقي، حيث المسجد محور الحياة أن يبيت ليلته في بناية تشبه الكنيسة، المسألة لا علاقة لها بأي شىء سوى العامل النفسي فقط، وربما فكرة الاغتراب في بلد بعيد هي التي فاقمت إحساسي بالمكان وربما المكان استدعى إلى الذاكرة فكرة الغربة، فالمكان بتفاصيله وهيكله وتنظيمه كان غريبًا على إدراكي واعتيادي.
* أن يكون لك مكان مستقل شيء في غاية الروعة لا سيما عندما تكون مغتربًا، وقد شكلت محطة البحث عن مكان يجمعنا معًا أنا وزوجتي محطة مهمة جدًا، ظللنا نبحث عن مكان ملائم بسعر ملائم حتى حصلنا على ما نريد في النهاية واستأجرنا شقة صغيرة من غرفة واحدة في مبنى قديم تملكه سيدة اسمها مسز هيرلي، هذه السيدة كانت تقترب في طباعها من الأمهات المصريات العتيقات اللائي يقدمن اهتمامًا واضحًا للجميع، لم يكن معنا سيولة مالية لتأثيث الشقة ولكن في أمريكا تستطيع بسهولة أن تحصل على ما تريد بالقروض بلا أي شروط صعبة، حصلنا على قرض من الجامعة وأصبح لنا مكان مستقل، وبدأت التركيز على العلم، وكانت أولى الإحباطات التي واجهتها هي الفرق بين المستوى العلمي للخريج الجامعي في أمريكا ونظيره في مصر فرغم تخرجي في مصر بدرجة امتياز إلا أن المستوى العلمي للطلاب في أمريكا كان جديدًا علي، ورغم إحباطي في البداية فقد حاولت اجتياز هذا الإحباط ومحاولة فهم الفروق في الحالتين، وقتها كان المشرف على رسالتي للدكتوراه البروفيسور روبن هوكشتراسر الذي اقترح عليّ أن أعمل على موضوع «ظاهرة ستارك على الجزيئات البيولوجية الكبيرة» وهي باختصار تأثير المجال الكهربي على طيف المادة، ولكنني طلبت منه أن أعمل في موضوع علمي أكثر عمقًا وتحليلاً، وكان لدي شعور دفين بأن الجزيئات البيولوجية كبيرة ومعقدة، وظاهرة ستارك هي ظاهرة للقياس إضافة إلى أن الموضوع برمته لم يكن واضح المعالم في ذهني، ورغم دهشته فقد منحني البروفيسور موضوعًا بحثيا عن «نظام مكونات أكثر دقة» أثارني هذا الموضوع بشدة وخلال شهور قليلة أجريت عددًا من التجارب المعملية وفي 1970م قدمنا ورقة بحثية عن ظاهرة زيمان لنترات الصوديوم، وفي 1971م قدمنا الورقة الثانية عن مشتقات البنزين ونشرت في المجلات العلمية وورقة عن الترايازين، وهكذا بدأت محطة العمل الفعلي الجاد.
الحاجز العلمي بيني وبين الطلاب في أمريكا شكل محطة إحباط لي في البداية وقد حاولت اجتيازه بالقدرة - بمرور الوقت - على التعامل بكفاءة مع الأجهزة العلمية بالغة التعقيد، بعد الاعتياد على التعامل مع إمكانات معملية متواضعة في السابق - في الإسكندرية - كذلك أسلوب ونمط كتابة المقالات العلمية. ففي مصر اعتدنا النمط الإنجليزي في الكتابة سواء في المقالات أو التقارير العلمية أو حتى المقررات الدراسية وأسئلة الاختبارات وفي هذا النظام يكون السؤال: «اكتب ما تعرفه عن فيتامين ب12» وفي هذه الحالة يكون بوسعي كتابة مقال من 6 صفحات عن الطرق المعملية لتحضير فيتامين ب12 ثم خواصه الكيميائية وتأثيره على الأجسام البشرية. أما النظام الأمريكي فالأمر مختلف تمامًا، وكان أول اختبار لي بنظام الأجوبة المتعددة والاختيار من بينها كان للوهلة الأولى امتحانًا طويلاً بالنسبة لي (100)سؤال يحتاج إلى وقت أطول لقراءة كل هذه الأسئلة لم أعتد هذا النمط فكانت درجاتي لا تناظر مرتبة الشرف التي حصلت عليها من كلية العلوم!
* وقررت تخطي هذا الحاجز الذي يحد من انطلاقي وحضرت دروسًا في الفيزياء والكيمياء كمستمع وترددت على مكتبة الجامعة أقرأ وأقرأ الكثير من المراجع العلمية. كان هذا لكي أصبح جاهزًا للدراسة لدرجة الدكتوراه ورغم صعوبة متابعة المحاضر لسرعته الشديدة - وهذا إحباط آخر - في أثناء الشرح ولعدم إتقاني للغة الإنجليزية إلا أنني استطعت في شهور قليلة تخطي هذا الحاجز.
* أما محطة الإحباط التالية فقد كانت الحاجز السياسي الذي تمثل في أنه رغم جو الألفة والوئام اللذين خيما على طبيعة العلاقة بين الجميع، وكان أحد طلاب الدكتوراه من المعادين للعرب وكثيرًا ما كان يخلط بين السياسة والمسائل العلمية، ورغم أنه كان يقدم العون لي أحيانًا في دراساتي فإنه كان لا يتوقع لمصري مثلي أن يتفوق أبدًا، وقد اتخذ من هزيمة 1967م مبررًا لاعتقاده بأن المصريين غير مؤهلين للتعامل مع الأبحاث العلمية، وكان تحامله هذا يجرح شعوري ويؤلمنى. كان يعتقد دائمًا أنني أقل من الطلاب الأوروبيين والأمريكيين، كنت أقول لنفسي: سوف ترى ما أنا فاعل في يوم من الأيام، وبالفعل فذات يوم تقابلنا في أحد المؤتمرات العلمية وتسلمت خلاله جائزة بيترديباي ذات المقام الرفيع وقد جلس هذا الشخص في الصف الأول ضمن المشاركين في الاحتفاء بالمصري في جامعة بنسلفانيا.
* وقد ظلت الحواجز الحياتية والثقافية الأمريكية تشكل محطة يصعب تذليلها أو تجاوزها. في البداية كنت أقول لنفسي «عليك أن تتدبر أمورك دون انتظار معونة من أحد» فالمجتمع الأمريكي لا يقدم لك العون إلا إذا طلبت، وحتى إذا طلبت ليس بالضرورة أن تتلقى المعونة في كل الحالات، نظام الملابس والأزياء نفسه كان مختلفًا وكمعيد في جامعة الإسكندرية اعتدت ارتداء البدلة وربطة العنق. أما في بنسلفانيا فالوضع مختلف الطلبة يذهبون للجامعة بالملابس الجينز البدلة وربطة العنق للمناسبات أو الزيارات الرسمية فقط، والعادات والسلوك المصري عادة مايفهم بطريقة خاطئة، فذات مرة قلت مازحًا لزميل أمريكي ونحن نحتسي القهوة «سوف أقتلك» فتبدل وجه الرجل ولابد أنه قال في داخله هذا الفتى قادم من الشرق الأوسط ولابد أنه سيفعلها، وبدأت أتحسس كلماتي وتصرفاتي مع زملائي من الطلبة الأوروبيين والأمريكيين، والطلبة يتعاملون مع أساتذتهم كمربين فهم يدفعون مبلغًا ضخمًا ليتعلموا فهم يتصورون أن الأساتذة يعملون عندهم فهم يتقاضون رواتبهم مما يدفعه الطلاب من رسوم دراسية.
* سنة 1972م شهدت قدوم أول بناتي ومع أنها محطة سعادة بالغة بالنسبة لي إلا أن الظروف التي أحاطت بميلادها كانت محبطة ومدهشة في الوقت نفسه بالنسبة لي، أما الإحباط فكان لأني لم أستعد سلفًا لمصروفات الولادة فأثناء التسجيل بجامعة بنسلفانيا لم أتبين جيدًا بنودًا خاصة بالتأمين الصحي والحصول على الرعاية الطبية بند ميلاد الأبناء بأجور زهيدة فلم أوقع علىه وكانت تكاليف الولادة وقتها من ألف إلى ألفي دولار ووقتها كان راتبي الشهري 300 دولار ومثلها راتب زوجتي وكانت بالكاد تكفي احتياجاتنا الضرورية، ولكن نظرًا لتفوقي ودرجاتي العلمية العالية وافقت الجامعة على مخاطبة المستشفى التي قامت بكل التدابير اللازمة على أن أسدد ذلك الدين في أقساط شهرية فيما بعد.
* أكتوبر 1973م محطة انتشاء كبيرة بالنسبة لي ففي هذا العام أتممت رسالتي للدكتوراه وكان مشرفًا عليها البروفيسور هوكشتراسر ثم حصلت على علاوة على راتبي ثم منحة ما بعد الدكتوراه وكانت في جامعة بيركلي في الغرب الأمريكي وبعدها بشهرين وفي يوم السادس من أكتوبر على أخبار عبور القوات المصرية لقناة السويس، بالنسبة لمصري مقيم في أمريكا كان النصر مدعاة للفخر والسعادة والشعور بالكرامة، وبالنسبة لي بالذات كان الأمر أكثر من ذلك فليست هناك أي حجة لادعاء أن المصريين أقل من غيرهم في أي شيء، فقد لمست في الفترة السابقة على 1973م عدم تقدير للإضافات العلمية للعلماء العرب بالخارج رغم أهميتها من جانب العلماء والمثقفين.
* انتقلت إلى كاليفورنيا أنا وزوجتي وابنتي في أوائل عام 1974م ولدهشتي وبعد مضي 4 أعوام على حياتي في أمريكا فقد اصطدمت بالحواجز نفسها مرة أخرى: الثقافة والسياسة وكانت جامعة بيركلي جامعة حكومية أنشئت عام 1868م تقابلت مع طلاب ذوي آراء واتجاهات متطرفة وبخاصة تجاه الشرق الأوسط، في البداية كان الأمر أزمة حقيقية داخلي: كيف أتعامل معهم؟ كيف أغير نظرتهم عن الشرق الأوسط؟ وفي النهاية وجدت أفضل الحلول أن نتوقف جميعًا عن الخوض في المناظرات الحارة التي يتشبث فيها كل طرف بمعتقداته دون إعطاء أذن صاغية للآخر، وبمرور الوقت أصبحت أكثر دراية في التعامل مع أمور كهذه، في هذه الفترة تلاشى الحاجز العلمي الذي كان يفصلني عن الباحثين الأمريكيين والأوروبيين.
* 1975م يوم 4 فبراير قطعت الإذاعة المصرية برامجها المعتادة وأخذت تبث تسجيلات لآيات من القرآن الكريم، إذًا قد مات شخص مهم، وبالفعل ماتت سيدة الغناء العربي أم كلثوم، وشيعها أكثر من 4 ملايين مواطن مصري، وكان حزني عليها لا يوصف، كان عميقًا كبيرًا، وفي هذا اليوم ظللت أستمع لأغنية الأطلال مرارًا وتكرارًا.
* ثم عملت بعدها بجامعة كالتك وهي جامعة أمريكية عريقة. في 1976م ضمت الكثيرين ممن حصلوا على جائزة نوبل وقد خصصت لي الجامعة أكثر من 50 ألف دولار كميزانية لإجراء أبحاثي.
* 1979م شهد أحداثًا متضاربة ففيه ولدت ابنتي الثانية أماني، وفيه بدأت رحلة الابتعاد بيني وبين زوجتي وبدأت، أو ربما لنقل أنها ظهرت بشكل جلي الفترة العصيبة بيننا تعرضنا كلانا لضغوط عصيبة، لخلافنا في الطباع والشخصيات، ميرفت إنسانة ممتازة وصادقة لكننا كنا شخصين مختلفين في ثقافتنا وأدائنا وقررنا الانفصال، ثم تم الطلاق في العام نفسه، ولم يكن هذا أمرًا هينًا علي لأنه ببساطة تعارض مع خلفيتي تمامًا فقد وعيت على أبي وأمي متحابين مترابطين طوال 50 عامًا، أما الشيء الذي جرح قلبي بالفعل فكان ابتعادي عن ابنتي رغم أني كنت أقضي معهما عطلات نهاية الأسبوع والأعياد،وفي هذا الوقت كان قراري بتكريس كل وقتي وجهدي لأبحاثي ولعلمي، متجاوزًا تمامًا فكرة الزواج للمرة الثانية.
* 1980م شهد محطة شجن بالنسبة لي فقد ذهبت لزيارة مصر بعد 11 عامًا من الاغتراب عن الوطن ذهبت إلى الإسكندرية ودمنهور ودسوق على التوالي واهتزت مشاعري لرؤية آثار الشيخوخة على أبي وأمي وشعرت بالذنب لعدم زيارتي لهما من قبل، وكمحاولة للتعويض ظللت معهما طوال فترة وجودي في مصر مقتطعًا من الوقت الذي كنت سأقوم فيه بأشياء أخرى، عدت مرة أخرى إلى مصر لعقد مؤتمر بجامعة الإسكندرية عام 1982م وكانت ممتعة للغاية حيث زرت الأقصر وأسوان أيضًا.
* 1987م أول زلزال عاصرته، كانت الساعة الثامنة إلا الثلث صباح أول أكتوبر وخرجت من بيتي مهرولاً بملابس النوم وكان مقياسه 6 درجات كان مرعبًا وكان يجاورني في السكن أستاذ وخبير في الزلازل بنفس الجامعة - كالتك - الذي قال لي: هذا زلزال صغير يمكنك أن تعود إلى شقتك!! وفي هذا العام نفسه توصلت إلى الاكتشاف الذي قادني فيما بعد إلى جائزة نوبل.
* 1988م بدأت الرؤية تصبح أوضح بالنسبة لموضوع الفيمتو ثانية وهو رصد الظواهر الجزئية بمقياس الفيمتو ثانية، وبدأت أحصد الجوائز وتقام حفلات التكريم لي في بقاع شتي من العالم كرائد لهذا العلم الجديد. وفي عام 1989م سافرت في رحلة لتسلم جائزة مؤسسة الملك فيصل في السعودية وكانت هذه الرحلة منعطفًا جديدًا في حياتي، وجائزة الملك فيصل عالمية تمنح لأشخاص من كل دول العالم يحصدها العرب والمسلمون في الأدب والدراسات الإسلامية، بينما تمنح في الطب والعلوم للأمريكيين والأوروبيين واليابانيين وكنت أول عربي يحصل على هذه الجائزة في العلوم. والشهرة التي حققتها هذه الجائزة جاءت من التقيد الصارم والدقيق في اختيار المرشحين والإجراءات التي تضمن أن الفائزين قد تم اختيارهم على أسس سليمة، وكان القدر قد رتب لي لقاء آخر بخلاف الجائزة، فقد كان د.شاكر الفحام قد حصل على الجائزة نفسها في الأدب وكان وزيرًا للتعليم في سوريا وشغل عدة مناصب دبلوماسية بارزة وقد جاء د.الفحام إلى الممكلة بصحبة زوجته وابنته ديمة، والتقيتها ولم أكن أفكر في إعادة تجربة الزواج مرة أخرى منذ انفصالي عن زوجتي الأولى منذ 10 سنوات، كانت ديمة مطلقة بعد زواج دام شهورًا قليلة ولم يكن لديها أطفال، كان ذلك في مارس وبعد عودتها إلى سوريا وعودتي إلى أمريكا ظللنا على اتصال هاتفى حتى تجاوزت فواتير المكالمات التليفونية حجم ميزانيتنا معًا فقررت الذهاب إلى سوريا لزيارة صديقي د.شاكر الفحام (!!) في شهر مايو من العام نفسه، وهناك طلبت الزواج بها وتم الاتفاق والخطوبة في شهر يوليو من نفس العام في ولاية ميتشجان، وتم الزواج في سبتمبر من العام نفسه.. لتبدأ مرحلة جديدة من حياتي، كانت ديمة تحمل درجة الدكتوراه في الطب من جامعة دمشق لكنها قررت ألا تعمل.
* وفي إبريل 1993م ولد ابننا الأول نبيل، كانت المرة الأولى التي يتاح لي أن أكون إلى جوار زوجتي وهي تستقبل مولودها، عندما جاءت مها وأماني لم تكن الفرصة سانحة لكي أكون إلى جوار زوجتي، أما هذه المرة فقد دخلت غرفة العمليات، في البداية كانت التجربة غريبة لم أدر كيفية التصرف في مثل هذا الأمر ماذا أفعل وماذا أقدم، على كل حال لقد جاء نبيل وكنت أول من حمله بعد الطبيب، وبعدها بعام واحد جاء ابننا الثاني هاني، وفي الحقيقة فقد استطعت بمرور الوقت تغيير بعض عاداتي المتعلقة بالعمل والجلوس مع الطفلين بقدر استطاعتي فأتوقف تمامًا عن العمل يوم الأحد.
* 1998م حصلت على جائزة بنجامين فرانكلين التي كان قد حصلت عليها من قبل ماري كوري والأخوان رايت وألبرت أينشتين. في هذا العام زرت مصر وكان استقبالي فيها شيئًا مذهلاً في دمنهور ودسوق والقاهرة. وفي أثناء هذه الرحلة أصدرت مصر طابعًا بريديًا تذكاريًا تكريمًا لي، كما أطلقت اسمي على شارع كبير في مدينة دمنهور وعلى مدرسة ثانوية فيها.
* 1999م في الخامسة والنصف صباح الثاني عشر من أكتوبر رن الهاتف بمنزلي وكان المتحدث السكرتير العام للأكاديمية السويدية د.إيرلنج نوربي يبلغني بفوزي بجائزة نوبل قائلاً: « هذه هي آخر عشرون دقيقة سوف تنعم فيها بالهدوء في حياتك » وبالفعل كان كلام الرجل صحيحًا، وجلسنا أنا وزوجتي وأبنائي نتابع عبر الإنترنت أخبار وتفاصيل منحي الجائزة.
* وفي 2000م جرت مراسم تسليم الجائزة بحضور ملك السويد كارل جوستاف والملكة سلفيا وقد طلبت أن يقدمني السفير المصري، وتعلن باسم زويل العالم المصري بعد أن كانت قد صدرت باسمي كعالم أمريكى.
* أما محطة ما بعد نوبل فقد قررت فيها التركيز على 3 أشياء: أن أظل عالمًا استمر في مشواري العلمي لي وللعالم ولمصر على أن تدخل مصر القرن الـ21 بالعلم والتكنولوجيا وهذا حافظ على جزء كبير من طاقتي، وأن أتمتع بإلقاء المحاضرات العامة وأشعر أن هذا هو الأمل القادم العمل في كل أنحاء العالم شيء رائع، وألا أنسى - تطبيقًا لمقولة والدي - أن أستمتع بحياتي وبالعلاقات الإنسانية مع جميع البشر.
* محطة مهمة شغلتني طويلاً هي مفهوم النهضة وقد وجدت لذلك تعبيرًا هو ثلاثية النهضة راقني كثيرًا وهذه الثلاثية تتلخص في: تقدم سياسي، واقتصادي، وثقافي، كما شغلني مفهوم الديمقراطية واستهلاك الاسم بحيث أصبح لا يعني شيئًا بالنسبة للكثيرين. بالنسبة لي أهم تعريفات الديمقراطية: حرية الفكر والرأي والإبداع وهي ركائز وشروط المجتمع المنتج التي تعطيه النشاط.
* محطة البحث العلمي تبدأ عندي من خروج المجتمعات من عصور الظلمات ورؤية أهمية العلم في الرقي بالمجتمع، ومن ثم هو الذي يقوم بتمويل البحث العلمي بعد ذلك. البداية أن تكون لدى الشعوب إرادة قوية ووعي للدور الأساسي للتطور العلمي. في الصين مثلاً كمية الأبحاث والدراسات العلمية والتكنولوجية طوال السنوات الخمس الماضية مذهلة، أصبح لديهم قناعة بأن التطور العلمي والتكنولوجيا هما محطة الانطلاق إلى العالمية.
* عام 2005م شهد تدشين مؤسسة زويل للعلوم والمعرفة، إضافة إلى الجائزة السنوية التي تقدمها الجامعة الأمريكية باسمي في العلوم، وجائزة الإبداع السنوية في دار الأوبرا.
* محطتي العلمية القادمة هي بحث عن مرض الزهايمر مرض العصر.
المصدر : مجلة المعرفة العدد119

 

 
     



المقالات الأكثر قراءة :     1: علاج الاسهال بالاعشاب الطبية (333151 قراءة)    2: فن تنمية الذكاء (249079 قراءة)    3: 19 طريقة للتخلص من الملل ؟ (197872 قراءة)    4: علاج البواسير بالاعشاب الطبية (164232 قراءة)    5: خصائص و أنواع الشخصية البشرية و كيفية التعامل معها (142480 قراءة)    6: الخريطة الذهنية تنظم أفكارك ! (109903 قراءة)    7: من عجائب الاكتشافات العلميه! (84561 قراءة)    8: ستة طرق لتقوية الذاكره وطرد الشرود الذهني (81263 قراءة)    9: العلاج بالضغط على القدمين والكفين (69452 قراءة)    10: الفياجرا للرجال فقط!! (65707 قراءة)    11: دراسة علميه حديثه تثبت فوائد الحجامه (58859 قراءة)    12: كيف تعمل على تنشيط دماغك ؟ (57749 قراءة)    13: مفهوم الطاقة في التنمية البشرية ! (57553 قراءة)    14: الإعجاز العلمي لمكة المكرمة! (51320 قراءة)    15: برمجة العقل السريعة !! (44546 قراءة)  
 




روابط ذات صلة· زيادة حول مقالات-علمية

أكثر مقال قراءة عن مقالات-علمية
فن تنمية الذكاء