تلوث الأسماك المعلبة بالزئبق
   
   
 
 

أرسلت في السبت 24 مارس 2007 بواسطة afkaaar

 
  تلوث الأسماك المعلبة بالزئبق

أ‌. صلاح مهدي نجم *
الزئبق هو أحد اخطر المعادن الثقيلة الملوثة للبيئة بشكل عام والبيئة البحرية بشكل خاص . وقد أصبح من المعروف جيدا الآن أن الزئبق يمكن أن يدخل البيئة المائية من خلال المصادر البشرية أو الجيولوجية الطبيعية المتنوعة , وهو يوجد كمكون ضئيل في العديد من المواد , ولكن ربما  يتجاوز تركيزه 100 نانوجرام/ جرام في الفحم النباتي و .....

الفحم الحجري.
تشمل المصادر البشرية للزئبق في البيئة المائية المواد الكيميائية المصرفة من المصانع والبطاريات ومقاييس الحرارة المكسورة ومبيدات الفطريات الزراعية وحشوات الأسنان من السبائك المعدنية الزئبقية والمنتجات الصيدلانية والنفايات السائلة لمصانع الكيمياويات. ويقدر ما تطلقه مصادر النشاطات البشرية هذه من الزئبق إلى داخل البيئة المائية بحوالي 10 آلاف طن سنويا.
ويمكن أن يتحول الزئبق فور دخوله البيئة المائية إلى زئبق مثيلي Methyl mercury [ (CH3)2Hg ]  وأشكال أخرى من الزئبق العضوي وذلك بفعل الأحياء الدقيقة اللاهوائية المتخصصة الموجودة في رواسب قاع البحر وبعملية تحويل حياتي من مرحلتين Two-Phase Bioconversion. ورغم أن الزئبق معروف بسميته بأشكاله المختلفة إلا أن شكل الزئبق ألمثيلي هو الأكثر ضررا بالكائنات الحية.


عنصر الزئبق Hg           بكتريا لا هوائية متخصصة          زئبق أحادي المثيل CH3Hg+
 
 زئبق مثيلي     ( CH3)2 Hg                         بكتريا لا هوائية متخصصة        



الزئبق ألمثيلي الناتج من عمليات التحويل السابقة يمكن أن يتراكم في الأسماك من خلال تعرضها لهذا المركب الموجود في الماء أو عن طريق عملية التركيز الاحيائي من خلال السلسلة الغذائية حيث ينتقل من الفرائس إلى المفترسات العليا ومن أهمها اسماك كلب البحر والتونة وسمك السيف. وللأسف فان مركب الزئبق ألمثيلي يمكن أن يبقى في الجسم لفترة طويلة لان نصف العمر الحياتي له يبلغ العامين تقريبا . ولذلك يمكن للزئبق ألمثيلي أن يتركز في زيوت الأسماك ( النسيج ألشحمي ) بمقدار يبلغ ألف ضعف من تركيزه في البيئة المائية .
وهذا المركب المعدني العضوي وبسبب طبيعته المحبة للدهون يتمكن بسرعة من اختراق أغشية الخلايا ويربط نفسه بالمجموعات المركزية من الإنزيمات المساهمة بتخليق البروتينات في الجهاز العصبي المركزي. وفي الحقيقة فان العضو الرئيسي المستهدف بسمية الزئبق هو الجهاز العصبي المركزي حيث يسبب تعرضه لهذا العنصر الملوث تلفا خطيرا في الدماغ ينتج عنه اضطرابات نفسية سلوكية وضعف حاستي السمع والبصر واختلاج العضلات وعدم السيطرة على الحركة وتنسيقها والوهن العام. كما اكتشف حدوث إعاقة التطور النفسي الحركي لدى الأطفال بسبب امتصاصهم للزئبق ألمثيلي من دم الأم خلال المرحلة الجنينية.
وقد اكتشفت تراكيز مرتفعة من الزئبق ألمثيلي في أحياء مائية متنوعة بضمنها الأحياء القاعية مثل الرخويات والقشريات المختلفة وكذلك اسماك التونة والسيف التي سبق ذكرها. وقد أثارت هذا القلق الكبير حول التراكيز المرتفعة من الزئبق في الأسماك حادثة قديمة للتسمم بالزئبق حدثت في السبعينات بسبب استهلاك صيادي  الأسماك وعوائلهم لأغذية بحرية ملوثة بالزئبق ألمثيلي صيدت من خليجي ميناماتا  ونيجاتا في اليابان حيث تراوحت تراكيز الزئبق في الأغذية البحرية الملوثة في تلك الحادثة بين 5 – 25 ميكروجرام/ جرام . وعلى أية حال , ومنذ ذلك الوقت وضعت حدود قانونية صارمة لمستويات الزئبق المقبولة في مثل هذه الأغذية في محاولة لمنع تكرار حدوث مثل هذه المشاكل في دول أخرى. وقد أوصت منظمة الصحة العالمية WHO  عام 1972 بان لا يتجاوز التركيز المقبول للزئبق الكلي في الأسماك 0.5 ميكروجرام/ جرام ( على أساس الوزن الرطب) . وقد أكد الاتحاد الأوربي هذا المستوى في قراره الذي اتخذه بالإجماع في 19 من شهر الماء 1993 مسيحي. كما أوصت لجنة الخبراء المشتركة من منظمة الغذاء والزراعة العالمية FAO   ومنظمة الصحة العالمية  WHO  أن لا يزيد مستوى التناول الأسبوعي الأقصى عن 0.3 مليجرام  من الزئبق الكلي الذي لا يشكل منه الزئبق ألمثيلي أكثر من 0.2 مليجرام وذلك في غذاء الشخص البالغ بمتوسط وزن جسم 60 كيلوجراما.
لقد ازداد الاستهلاك العالمي للأسماك بشكل ملحوظ خلال العقود القليلة الماضية حيث ارتفعت الكمية السنوية التي يستهلكها الفرد في أوربا  وأميركا الشمالية من اسماك التونة المعلبة من 1.1 كيلوجراما إلى 1.75 كيلوجراما بين الأعوام 1970 – 2000. وتعد اسماك التونة مسئولة عن حوالي 71  %  من إجمالي استهلاك الأسماك في الدول الصناعية وهي الأكثر استهلاكا من بين مختلف الأغذية البحرية لخصائص عديدة تتميز بها وهي رخص أثمانها وقبولها وفائدتها للاستعمال كمكون في الطبخات المختلفة ( مثل البيتزا ) كما أنها مرغوبة لهواة الأغذية الصحية لكونها غداءا قليل الدهون.
 أن هذه الزيادة الكبيرة في استهلاك الأسماك المعلبة وما يكتشف حول التأثيرات السامة المحتملة للزئبق ألمثيلي تفرض على القائمين على شؤون سلامة الغذاء إجراء مراقبة منتظمة مستمرة لهذه المادة في جهد للسيطرة على نسب تعرض البشر لها. أن برامج المراقبة هذه ستكون مفيدة بالتأكيد في الحصول على معلومات إحصائية مهمة حول مستويات التعرض الغذائي المستمر للزئبق ألمثيلي بسبب استهلاك الأسماك المعلبة. والتقنيات التحليلية التي ثبت إلى الآن أنها الأكثر فائدة في برامج المراقبة هذه هي قياس طيف الامتصاص الذري من البخار البارد  Cold Vapor Atomic Absorption Spectrometry   (CV-AAS) لتحليل الزئبق الكلي , وكروماتوجرافي السائل أو كروماتوجرافي الغاز مع AAS  (LC-AAS , GC-AAS)   لتحليل الزئبق ألمثيلي .






وفي مسح حديث اجري في الولايات المتحدة الاميركية على 220 عينة من اسماك التونة المعلبة وجد أن متوسط تركيز الزئبق ألمثيلي ( معبرا عنه على هيئة زئبق ) كان 0.18 , 0.21 , 0.07 , و 0.01  ميكروجرام / جرام في اسماك التونة المعلبة في كل من الماء الاعتيادي والمحلول الملحي المائي والزيت النباتي وزيت الزيتون , على التوالي ( شكل 2 ). والاختلافات واضحة بين اسماك التونة المعلبة بالماء والأخرى المعلبة بالزيت بنوعيه , وقد نسبت هذه الاختلافات جزئيا إلى التأثير المخفف من الزيت الذي خلط مع لحم التونة قبل التحليل .




كما أوضحت الدراسة نفسها أن أسلوب التعليب الموضح على العلبة يؤثر على تركيز الزئبق ألمثيلي الموجود في اسماك التونة المعلبة , والتراكيز المسجلة على هذا الأساس ( على هيئة زئبق ) كانت 0.10 , 0.26 , 0.31 , و 0.10 للحم التونة الفاتح المعلب بشكل كتلة, ولحم التونة البيضاء الصلب، والتونة البيضاء بشكل كتلة ولحم التونة الفاتح المفتت, على التوالي. ومع ذلك لم يكن من المستطاع الخروج باستنتاج رصين حول تأثيرات استعمال الماء والزيت في تعليب اسماك التونة على مستويات الزئبق ألمثيلي في هذه المنتجات وذلك بسبب العدد المحدود من المنتجات المعلبة بالزيت والتي شملتها هذه الدراسة. كما أكتشف أيضا أن حجم العلبة لا يسبب اختلافات كبيرة في مستويات الزئبق ألمثيلي الموجودة في التونة المعلبة.
وفي دراسة أجريت في أوربا وجد أن متوسط تركيز الزئبق في الأسماك المعلبة الأكثر استهلاكا كان يترتب تنازليا من الأعلى في اسماك التونة المعلبة بالمحلول الملحي ثم اسماك السالمون المعلبة ثم الماكريل المعلب ( المعروف محليا بالكوالي)  وأخيرا سمك السردين ( الشكل رقم 3 ). وهذا انعكاس واضح لموقع كل نوع من هذه الأسماك في السلسلة الغذائية في البحر وكذلك اعتمادا على متوسط حجم الأسماك فكلما كان حجم الأسماك اصغر وعمرها اقصر كلما انخفضت فيها تراكيز الزئبق. ويذكر أن مستويات الزئبق في اسماك السالمون والماكريل التي سجلت في هذه الدراسة كانت 0.054 و 0.056 ميكروجرام/ جرام وهي اقل بحوالي ثلاث مرات من اقل قيمة مسجلة في اسماك التونة.
كما أعطى تصنيف مستويات الزئبق في اسماك التونة تبعا للأصل الجغرافي بعض المؤشرات المهمة حيث سجلت أعلى المستويات في التونة الاسترالية ( حوالي 0.173 ميكروجرام/ جرام ) و تبعتها التونة المنتجة في تايلاند ( 0.094 ميكروجرام/ جرام ) ثم تونة شمال شرق المحيط الأطلسي ( 0.090 ميكروجرام / جرام ) وأخيرا تونة البحر المتوسط – تونة الباكور والتونة زرقاء الزعنفة- (0.085 ميكروجرام/جرام) .



 


وفيما يتعلق بأسماك السالمون المعلبة ، أظهرت اسماك السالمون الاسترالية أعلى مستويات الزئبق أيضا ( 0.141 ميكروجرام / جرام) مقارنة بتلك المنتجة في الدول النامية ( تشيلي وتايلاند وماليزيا وكوريا : 0.041 ميكروجرام / جرام ) أو دول أميركا الشمالية ( الولايات المتحدة الاميركية وكندا : 0.033 ميكروجرام / جرام ) وهذه الأرقام توضح بشكل عام أن مستويات الزئبق في اسماك السالمون الاسترالية كانت أعلى بحوالي 2-4 مرات من اسماك السالمون المعلبة المنتجة في بقية دول العالم.
وكما ذكرنا سابقا ، ومع الزيادة الكبيرة في استهلاك الأسماك عالميا لا بد من المراقبة المستمرة المنتظمة لتراكيز الزئبق ( أو الزئبق ألمثيلي ) في الأسماك المعلبة من اجل تقييم التعرض الغذائي المستمر من البشر لهذا المركب الخطير.وهناك حاجة ماسة لمسوحات مستقبلية تستعمل فيها أعداد  كبيرة من العينات للخروج باستنتاجات مؤكدة حول حالة الزئبق في الأسماك المعلبة.


* قسم الزراعة المائية – كلية الزراعة – جامعة الفاتح- طرابلس- ليبيا
E-Mail:
salahm63@yahoo.com

مراجع للمطالعة :


Anderson, J.L. and Depledge, M.H.(1997). A survey of total mercury and methylmercury in edible fish and invertebrates from Azorean waters. Marine Env. Res. , 44:331-350.


Joiris, C. R. ; Holsbeek , L. and Moatemri, N.L.( 1999 ).Total and methyl mercury in sardines Sardinela aurita and Sardina pilchards from Tunisia. Marin Poll.Bull.,38:188-192.


Joiris, C. R.; Das,H.K. and  Holsbeek , L.( 2000 ) Mercury ac*****ulation and speciation in marine fish from Bangladesh. Marin Poll.Bull.,40:454-457.


Nakagawa, R. ; Yumita, Y. and Hiromoto, M.( 1997). Total mercury intake from fish and shellfish by Japanese people.Chemosphere, 35:2909-2913.


Storelli, M. M. and Marcotrigiano, G. O.( 2000 ). Fish for human consumption : risk of contamination by mercury. Food Add. & cont. , 17: 1007-1011.


Storelli, M. M.; Giacominelli Stuffler , R.  and Marcotrigiano, G. O.( 2001 ).Total mercury and methylmercury in Auxis rochei , Prionacee glauca and Squalus acanthius from the South Adriatic Sea. Ital. J. Food Sci. , 13:103-108.

 

 
     



المقالات الأكثر قراءة :     1: علاج الاسهال بالاعشاب الطبية (268876 قراءة)    2: فن تنمية الذكاء (233467 قراءة)    3: علاج البواسير بالاعشاب الطبية (159217 قراءة)    4: 19 طريقة للتخلص من الملل ؟ (156741 قراءة)    5: خصائص و أنواع الشخصية البشرية و كيفية التعامل معها (121247 قراءة)    6: الخريطة الذهنية تنظم أفكارك ! (98332 قراءة)    7: من عجائب الاكتشافات العلميه! (79160 قراءة)    8: ستة طرق لتقوية الذاكره وطرد الشرود الذهني (71092 قراءة)    9: الفياجرا للرجال فقط!! (62768 قراءة)    10: دراسة علميه حديثه تثبت فوائد الحجامه (54464 قراءة)    11: مفهوم الطاقة في التنمية البشرية ! (53586 قراءة)    12: كيف تعمل على تنشيط دماغك ؟ (53272 قراءة)    13: الإعجاز العلمي لمكة المكرمة! (47574 قراءة)    14: العلاج بالضغط على القدمين والكفين (39146 قراءة)    15: اعجاز علمي(التسمية عند الذبح) (38670 قراءة)  
 




روابط ذات صلة· زيادة حول الطب-الحياة

أكثر مقال قراءة عن الطب-الحياة
علاج الاسهال بالاعشاب الطبية