براءآت الإختراع هل أصبحت أداة لـخصخصة البشرية ؟
   
   
 
 

أرسلت في الثلاثاء 01 أبريل 2008 بواسطة afkaaar

 
  براءآت الإختراع هل أصبحت  أداة لـخصخصة البشرية ؟

د. سمير بسباس
يقول تقرير أعدته منظمة BEDE أنه قبل عشرين سنة لم يمكن يخطر ببال أحد مجرد تسجيل براءة الكائن الحي. فالعلماء والمختصون يعترفون بحدود معارفهم الخاصة بالميكانيزمات الوراثية الدقيقة والتى لا يمكن وصفها وتعريفها بصفة شاملة أو إعادة بنائها وذلك لتشعبها. كذلك فإن الكائنات الحية تتميز بخاصية أساسية ألا وهى التوالد والتكاثر. لكل هذه الأسباب استثنى المشرع الكائن الحى من دائرة البراءات. لكن كيف وصلنا إلى براءة الكائن الحى وماذا تغير فى ....


 البحوث العلمية حول الجينات والوراثة بصفة عامة حتى يتغير الموقف رأسا على عقب ويصبح ما هو محظور مسموحا به بل مستحبا وضروريا؟

البراءة هى ضمان احتكار محدود فى الزمان والمكان تسمح لصاحبها بحق استعمال الآلات والمناهج ووسائل الإنتاج كما أنها تعطى لصاحبها حق منع أى طرف آخر من استعمال نفس الوسائل والآلات كالمقطوعات الموسيقية والخلق الفنى والأدبى مثلا.

يعود تاريخ البراءات إلى العصر الرومانى بل حتى العصر اليونانى حيث ينص ميثاق المدينة اليونانية "7 قرون قبل ميلاد المسيح " على احترام البراءة.

تعرف مجلة Biofutur فى عددها 204 " أكتوبر-تشرين الأول 2000" البراءة بأنها تمكن من مكافأة المجهود الفكرى والذهنى وتسمح لصاحب البراءة باسترجاع الأموال التى استثمرها فى عملية الابتكار ومقابلا يتماشى ويتناسب مع قيمة الاختراع. للتمكن من الحصول على البراءة، كرائها أو بيعها لا بد من تسجيلها. بعد الثورة الفرنسية وبالتحديد من خلال "عقد اتحاد حماية الملكية الصناعية" أو ما يعرف باتفاقية باريس الموقعة فى 20 مارس-آذار 1883 والتى وقعت مراجعتها عديد المرات وقع تحديد مختلف جوانب البراءة:

الماركات – أساليب الإنتاج – الوسائل المستعملة.

تعكس البراءة فى مفهومها الجديد الخيالات والمفاهيم الليبرالية الصاعدة آنذاك والتى أتى بها المجتمع الجديد الذى يعتبر أن حماية الملكية الفردية ضمان ومحرك الابتكار العلمى والتكنولوجى كما جاء ذلك على لسان أحد أعضاء البرلمان الفرنسى سنة 1791: "إن عدم الاكتراث بالاختراعات والابتكارات الصناعية وعدم اعتبارها ملكا خاصا لصاحب الابتكار يُعدّ وقوفا ضد الحقوق الدنيا للمواطن" "انظر تقريرا أعدته منظمة Solagral فى هذا المضمار".

يستند المفهوم الخاص للبراءة و للملكية الفكرية إلى فصل بين الأشياء "الجماد" والكائن الحى من ناحية وبين أسلوب وأدوات الإنتاج والابتكار والمنتوج أى الاختراع فى حد ذاته.

إذن ظهرت البراءات فى شكلها المعاصر منذ القرن الثامن عشر لحماية المخترع من خطر السرقة وكمكافأة على نشاطه الابتكاري.

بمقتضى امتلاك البراءة يتمكن المخترع من احتكار أسلوب اختراع أو إنتاج معين وذلك لمدة محدودة وتقدر بـ20 سنة. كذلك يحق له بيعه أو كرائه. فالبراءة لا تحمى المنتوج النهائى أو أى فكرة بل أسلوب الإنتاج. يحمى كل بلد مواطنيه من خطر القرصنة ويوفر لهم ضمانات فى هذا المجال بشرط أن يوضّح المخترع مختلف مراحل نشاطه من خلال تدوين ووصف دقيق له .

يشترط فى البراءة:
1-التجديد: فيجب أن لا يكون أسلوب الإنتاج معهودا ومعروفا.
2-الابتكار والاختراع: وهذا نقيض للاكتشاف فالنشاط الابتكارى يفترض أن يكون مميزا وفريدا.
3-قابلية استعمال الاختراع فى ميدان الصناعة: يقع تحديد مجالات تطبيق الابتكار واحدا واحدا.
هناك اتفاقيات دولية حول البراءات وهذه الأخيرة تستثنى اكتشاف قوانين علمية أو فيزيائية أو قواعد رياضية أو تفاعلات كيميائية أو أساليب طبخ أو عادات غذائية أو منتوجا ما "آلة – أداة إنتاج" ويتحدد مجالها كما أسلفنا فى أسلوب الإنتاج المميز الذى أدى إلى هذا المنتوج كالابتكارات الغذائية – الصناعية أو إنتاج أنواع خاصة من الجبن والكحول وبصفة عامة كل الماركات المتميزة بأسلوب خاص فى الإنتاج.

براءة أسلوب الإنتاج وبراءة المنتوج

إبتداء من منتصف القرن العشرين وتحت ضغط كارتالات الصناعة – الكيمياء – البذور – الصيدلة عرف مفهوم البراءة تحولات فى مضمونه ومدلوله ليشمل المنتوج ذاته علاوة على أسلوب الإنتاج وهذا يعنى أنه حتى فى صورة توصل شخص آخر "أو مجموعة أخرى" إلى هذا المنتوج ولو بأسلوب أكثر ابتكارا وإبداعا بحيث يلخّص بعض المراحل أو يخفض من استهلاك مواد الطاقة أو يستعمل مواد أخرى وغير ذلك من أوجه التجديد والابتكار فإنه يستحيل على صاحب الاختراع الجديد بيعه أو كراءه. فهو يسقط تحت طائلة قانون حماية الملكية الفكرية.

لذلك فهو يضطر إلى القيام بمفاوضات مع صاحب البراءة الأول الذى تمكن من تسجيلها. هكذا إذن تصبح البراءة فى مفهومها الجديد عائقا قانونيا أمام تطور الابتكارات بل حجر عثرة أمام الحصول على المواد الغذائية والأدوية بأسعار مناسبة. إن مخاطر هذه التحولات تنعكس بصفة أكثر جلاء على الكائن الحي.

يقول Jean Pierre Berlan وهو خبير فى معهد البحوث الفلاحية الفرنسية وصاحب كتاب "الحرب ضد الكائنات الحية": "هناك مبدأ اقتصادى قديم قدم الدهر والزمان ولا يمكن دحضه أو تكذيبه ألا وهو أنه لا يمكن أن نبيع لأى كان شيئا ينتجه هو ويمتلكه إلى حد التخمة".

Jean Pierre Berlan : La guerre au vivant، Agone، 2001، Page 14".

إذن كيف تمكنت الشركات المختصة فى انتقاء البذور أن تجعل المزارع يضطر لشراء حبوبها وبذورها؟ بمنعه بطرق مختلفة من الحفاظ عليها من ناحية وباحتكار تجارة البذور من ناحية أخرى وصولا إلى البراءات القاتلة أو ما يسميه المؤلف بالتعقيم القانونى "براءة المنتجات" وبالأخص بالتعقيم البيولوجى "خلق بذور انتحارية معقمة أو بذرة الموت Terminator أو البذرة النهائية" وكلها تكمّل بعضها.

فى الحقيقة لقد بدأ هذا التوجه فى البروز للعيان منذ القرن التاسع عشر حيث حاول تجار البذور فرض نوعيات من البذور ذات المردود العالى الذى ينخفض بسرعة من جيل إلى أخر ومع كل فصل وزراعة جديدة وقد كان لهم ذلك بفضل استعمال تقنيات انتقاء خاصة. فهذه البذور تفقد شيئا فشيئا ميزاتها بمجرد زراعتها فى ضيعات الفلاحين.

"إنه من الأهمية بمكان أن يشترى المزارع بذورا جديدة من مؤسسة Brighton كل سنة. ففى هذه المؤسسة يبذل الخبراء مجهودا فعليا لانتقاء البذور الجيدة ومن دون هذا المجهود لا يمكن الحفاظ على أى أصل أو جذل "Souche" من النباتات والبذور" "نفس المرجع". هذا ما صرح به Hallet فى سنة 1887 وهو مختص فى انتقاء البذور.

ثم ومع ظهور البذور المسماة خطأ "مهجنة" hybride والتى بدأت بالذرة لتشمل 23 نوعا من النباتات علاوة على الحيوانات والطيور والخنازير تواصلت العملية.

"التهجين" كما عرفناه هو عبارة عن تقنية خاصة تواصل ما بدأه المختصون فى البذور منذ القرن التاسع عشر. فعندما يريد المزارع الحصول على نفس النتائج الباهرة التى تحصل عليها فى زراعته الأولى من الذرة المهجنة فإن الوسيلة الوحيدة لذلك هى العودة إلى ذلك الخبير "المهجن" "بكسر الجين" الذى اشترى منه البذور فى السنة الماضية. هذا ما صرح به Shell أحد المختصين فى البذور سنة 1946. البذور المهجنة التى وقع ترويجها فى الخمسينات وعرفت صولة لا تضاهى فى الثورة الخضراء "الهند – الفيليبين ..." لا تحافظ على خاصياتها من جيل إلى جيل آخر فهى تحمل فى ذاتها موتها أى أنها تقتل نفسها بنفسها.

فى فرنسا على سبيل المثال يصل معدل إنتاج الذرة فى الهكتار الواحد 75 قنطارا ولكن الفلاح يشترى للبذر 15 قنطارا فى الهكتار الواحد. فلقد اعتمد المختصون فى انتقاء البذور ولا يزالوا يعتمدون تقنيات ووسائل عديدة للتحكم فى هذه البذور و حرمان المزارعين منها وذلك بتعقيمها أو بالحد من مردوديتها ومن بين هذه التقنيات نذكر أسلوب "الانهيار الدموي" أى التهجين داخل نفس العائلة والصنف La dépression sanguine لكن كل ذلك لا يكفى ولا يشفى غليل كارتالات البذور والكيمياء.

فللتحكم التام فى الكائنات الحية لا بد من جعلها براءة وملكية خاصة من ناحية ثم تحويرها جينيا فتعقيمها وهذا كله باستعمال تقنيات هندسة الجينات التى سمحت بمثل ذلك.

قبل سنة 1980 كان المبدأ المعمول به والمتعلق بالكائن الحى هو: الكائن الحى لا يمكن أن يتحول إلى براءة. تغيرت المفاهيم منذ ذلك التاريخ. فى سنة 1980 أقرت المحكمة العليا بالولايات المتحدة الأمريكية حق امتلاك براءات الكائنات العضوية الصغيرة والمحورة جينيا وذلك باعتبارها "كائنا حيا" "كما جاء فى القرار". كانت تلك سابقة خطيرة فى تاريخ الملكية الفكرية.

فلقد ظهرت أول براءة لبكتيريا محورة جينيا وكان الهدف من "إنتاجها" هو تحليل المحروقات.

بعد فترة من التردد اعترف الديوان الأوروبى للبراءات فى سنة 1982 بحق تحويل الكائنات العضوية الصغيرة إلى براءات. هكذا عرف فقه القانون تحولات متسارعة حول هذه المسألة فأصبح جائزا حق إسداء البراءات لامتلاك النباتات "سنة 1985" والحيوانات "سنة 1988" والأجنة البشرية embryons humains "سنة 2000".

ففى سنة 1985 أقرت محكمة الاستئناف الخاصة بديوان الحماية الملكية الفكرية الأمريكية أن كل ما يهب ويدب وينبت وينمو ويتوالد ويوجد تحت أشعة الشمس "بفضل ذكاء الإنسان وفطنته" قابل أن يصبح براءة. هكذا تحولت محارة "huître" ذات صبغيات أو كروموزومات متعددة huître polyploïde إلى براءة وذلك سنة 1987 وأصبح فأر "هارفارد" "Souris de Harvard" الذى بُرمج ليصاب بمرض السرطان براءة سنة 1988 وبعد ذلك تعددت المطالب للحصول على براءات النباتات والحيوانات وكل براءة جديدة تُخوّل لصاحبها إمكانيات استعمال لا حصر لها وهى حكر عليه.

البراءات والكائن الحي

لو رجعنا إلى الشروط التى يجب أن تتوفر فى البراءة وقارنناها ببراءة الكائن الحى لاستنتجنا ما يلي:

* تفترض البراءة ابتكار أو خلق وسيلة تقنية خاصة وليس فقط اكتشاف قانون طبيعى أو فيزيائي. لكن الكائنات الحية لم يقع ابتكارها أو خلقها أو اختراعها. فهى موجودة منذ قديم الزمان بما فى ذلك الإنسان، أعضاءه، خلاياه، جيناته... الخ.

• تفترض البراءة وصفا مدققا للابتكار "مراحله – المواد المستعملة..." بحيث يمكن لأى خبير فى الميدان أن يعيد إنتاج وصنع وتقليد الابتكار بصفة كلية. لكن العلم لا يقدر إلى حد الآن على وصف مدقق وواضح ونهائى لأى كائن حي.

فمجرد تعريف الجين يختلف من عالم إلى آخر "هناك أكثر من 20 تعريفا مختلفا للجين" كما أن استكشاف وقطع الجين المرغوب فيه لا يمكن أن يكون مدققا " فبالإمكان حمل متتالية جينية مجاورة لا يُرجى منها أى نفع كما أن عملية القطع غير دقيقة" كما أن غرس الجين يكون فى مواقع اعتباطية بحيث يستحيل استحالة تامة إعادة إنتاج وتقليد العملية حتى فى حالة الاستنساخ.

* تستوجب البراءة ابتكار شيء جديد "عنصر التجديد" قابل للتسويق والاستعمال الصناعي. لكن الكائنات الحية من فيروسات وبكتيريات ونباتات وحيوانات وغيرها ليست من صنع الإنسان إلا إذا قبلنا بأن نحوّل الكائنات الحية إلى مجرد أشياء "كالكراسى والآلات والقطع الميكانيكية والحواسيب وغيرها ..." وأعددنا العدة لــ"إنتاج" كائنات حية جديدة بما فى ذلك جنسا بشريا جديدا.


إن تحويل الكائن الحى إلى براءة يعد انحرافا خطيرا وذلك لعواقبه الخطيرة على المحيط والإنسان ومسيرة البحث العلمي. فمع ظهور المنظمة العالمية للتجارة OMC فى سنة 1995 تغيرت المعطيات المتعلقة بالبراءات بصفة جذرية. فالاتفاقية حول حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بالتجارة "ADPIC بالفرنسية و TRIPS بالانقليزية" تفرض الاعتراف بحق امتلاك الكائن الحي. قبل أن نتعرض إلى هذه الاتفاقية يجدر بها أن نذكر ولو بإيجاز بإتفاقية سابقة ألا وهي:

- 1 شهادة الملكية النباتية UPOV :
منذ الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين وقع تصنيع عملية انتقاء البذور خصوصا فى البلدان الصناعية ونعنى بذلك أن إنتاج البذور وإعدادها أصبح على ملك وذمة بعض الكارتالات التى احتكرت هذا الميدان وبطبيعة الحال تماشى ذلك مع وضع أسس قانونية جديدة.

فى سنة 1961 أنشئ اتحاد حماية الملكية النباتية الذى أقر شهادة التملك النباتى COV وهو اعتراف صريح بحق الشركات الكبرى احتكار ميدان البذور.
يلاحظ تقرير أعدته منظمة BEDE غير الحكومية أن النص الذى وضع هذه الاتفاقية لا يذكر البتة كلمة مزارع بل يتحدث عن "منتقى البذور".
تسلم شهادة التملك النباتى بشروط وهي:

التميز عن البذور الأخرى والتناسق فى الخاصيات والاستقرار والتوالد لمدة 3 أجيال على الأقل.

عرفت هذه الاتفاقية تحويرات عديدة. ففى سنة 1991 ظهر فصل جديد يمكّن المزارع من "استثناء" "!" ويخوّل له الحفاظ على البذور من محصول السنة ولكن مع التعهد بعدم بيعها.

لكن الاتفاق لا يفرض على من يريد استعمال هذه البذور وتغييرها لإنتاج بذور جديدة والحصول على شهادات تملّك بدون اللجوء إلى المالك الأصلى أى أن هذه البراءات لم تتحول إلى "براءات مفتاح" أو "براءات مغلقة" ونهائية.

رغم أن هذا النظام يحدّ من تبادل المعلومات بين المزارعين لكنه لا يضع حواجز وموانع نهائية وصارمة. مع مرور السنين، أصبحت هذه الاتفاقية لا تستجيب لمتطلبات ومصالح الكارتالات التى تريد أيضا غلق الباب بصفة نهائية.

-2 الاتفاق حول قوانين حماية الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة:
هذا الاتفاق فتح الباب على مصراعيه لخصخصة الكائنات الحية وتسجيلها براءات. فالفصل27. 3 ب منه ينص على أن "النباتات والحيوانات غير الكائنات العضوية الصغيرة والوسائل والطرق التى يمكن اعتبارها أساسا بيولوجية والتى تمكّن من الحصول على نباتات وحيوانات بخلاف الطرق غير البيولوجية والميكروبيولوجية يمكن أن تستثنى من البراءات. إلا أن الأعضاء يمكن لهم أن يتصوروا ويصيغوا نظاما خاصا لحماية الأنواع النباتية أو عن طريق براءات أو بالمزج بينهما ...".

إذن للمؤسسات حق خصخصة التنوع البيولوجى والمعارف المشتركة لعموم الناس حول الكائنات الحية وذلك من خلال أنظمة حماية الملكية الفكرية. تطلب هذه الاتفاقية كل الموقّعين عليها والأعضاء المنضوين تحتها أن يصيغوا ويسنوا فى بلدانهم قوانين وحقوقا تخص الملكية الفكرية للكائنات الحية. بصفة أوضح : إذا كانت النباتات والحيوانات مستثناة من القوانين المتعلقة بالبراءات فإنه من واجب كل البلدان السماح بوجود براءات تتعلق بالكائنات العضوية الصغيرة وتقترح شكلا خاصا " Sui generis" من حق الملكية الفكرية "DPI" على أنواع النباتات.

فى أغلب الحالات وقع دعم هذه الاتفاقية باتفاقيات خاصة سميت + ADPIC . تعقد البلدان الصناعية اتفاقيات ثنائية أو جهوية مع بلدان الجنوب وتفرض عليها شروطا مجحفة والتزامات تفوق فى بعض الأحيان تلك التى أقرتها اتفاقية ADPIC وتشمل هذه الاتفاقيات مجالات تخص التجارة والاستثمار والإعانة والعلوم والتكنولوجيا وحق الملكية الفكرية للنباتات والحيوانات والجينات. كما أن الاستثمارات ترتبط بقبول الدولة النامية بنفس شروط الاستثمار فى الدولة الصناعية.

مثال ذلك : لوفرضنا أن مؤسسة Monsanto الرائدة فى إنتاج المواد المحورة جينيا تمتلك براءة لجين معين "نباتى أو حيوانى أو حتى بشري" وتريد بيع بذورها الحاملة لهذا الجين "مثلا الذرة Bt التى تنتج بنفسها مبيد الحشرات" لدولة نامية فإن هذه الأخيرة مطالبة بتقديم نفس الضمانات والحماية لهذا الجين والتى يحظى بها فى بلده الأصلى أى الاعتراف بحق الملكية المطلق لهذا الجين من طرف مونسنتو Monsanto وبملاءمة القوانين القومية مع القوانين العالمية حماية لبذور مؤسسة Monsanto من إعادة بذرها وبيعها أو تهجينها وتغريم المزارعين الذين يتجرأون على مخالفة ذلك.

إذن من الصعب على الدول النامية إيجاد نظام خاص "Sui generis" يتناقض مع اتفاقية ADPIC إذا ما أرادت أن تفتح مجالها للزراعات المحورة جينيا وبصفة عامة إذا ما أخضعت كائناتها الحية وتنوعها البيولوجى للاستكشاف والتحوير الذى تقوم به الشركات العالمية الكبرى فالمقْودُ بيد هذه الشركات ونحن أمام وضعية تتميز باختلال فى التوازن.

تلجأ بعض الدول النامية إلى إخفاء بعض جوانب اتفاقياتها كما وقع ذلك فى بعض بلدان أمريكا اللاتينية كما يقع تجنب النقاش العام والحوار المفتوح حول خصخصة الكائنات الحية.

فالمسألة تتعلق بخصخصة كائنات حية يُقدّر علماء الطبيعة أنها وُجدت وتطورت منذ أكثر من 6 مليار سنة.

فى البلدان الأوروبية عرف تقنين حق امتلاك براءات الكائنات الحية تعثرات وصعوبات إلى أن جاء البيان التوجيهى المنصوص تحت عدد 44/98 " 44/98 Directive" والذى صودق عليه فى 6 جويلية 1998 رغم معارضة حماة البيئة وذلك تحت ضغط الجماعات البيوتكنولوجية الكبرى. ينص هذا البيان أنهّ على كل دولة من المجموعة الأوروبية أن تدمج هذا البيان التوجيهى فى قوانينها الخاصة قبل نهاية 2001 " لم يقع إدماج هذا البيان فى عديد الدول الأوروبية ".

من المفارقات أنه فى ذات اليوم الذى عُرض فيه هذا المشروع للنقاش والتصويت قام كارتال البيوتكنولوجيا "الذى يضم عديد المؤسسات العالمية" Eurabio بتجميع عدد كبير من معاقى الحركة العضوية حاملين أقمصة كتب عليها : "البراءة من أجل الحياة" أى أن كارتالات البيوتكنولوجيا تريد إقناعنا أنه بالمصادقة على مبدأ البراءة فإننا نكون قد دافعنا عن الحياة والحال أن الحقيقة تناقض ذلك رأسا لأن البراءة فى مفهومها الجديد تتعارض أصلا مع وجود الكائنات الحية ونموها.

فحتى فى صورة عدم إدماج دولة أوروبية للقرار المعنى فى قوانينها فيمكن لشخص "أو مؤسسة" أن يتقدم إلى الديوان الأوروبى للبراءات ويتجنب المؤسسات القضائية القومية. تتجنب الوثيقة 44/98 الحديث عن الكائن الحى لتعوضها بكلمة "المادة الحية" "فى 43 مناسبة" وهى تدشّن بصفة رسمية ومعلنة وصريحة "تشيأ" الكائنات الحية لتصبح مثلها مثل أى اختراع أو ابتكار صناعي.

فبينما تستحوذ حفنة من المؤسسات الدولية على الخيرات الطبيعية للكون باسم البراءة يصبح ذلك الحق الموغل فى القدم "حظوة" أو " امتيازا استثنائيّا" يمكن التراجع عنه فى أى وقت.

يتساءل خبير الزراعة Jean Pierre Berlan فى كتابه : " الحرب ضد الكائنات الحية" ما الداعى لبراءات الكائن الحي؟ لنفترض جزافا أنه لا يمكن حل المعضلات الفلاحية "حشرات – أعشاب طفيلية" والغذائية " تفشى سوء التغذية والمجاعة فى بعض دول العالم الثالث" إلا بالفلاحة المحورة جينيا "وهذا ما أثبتنا وسنثبت خوره" فلماذا اللجوء إلى براءة الكائن الحى من نباتات وحيوانات وغيرها ما دمنا نعتبر أن المواد المحورة جينيا مساوية ومطابقة للمواد الطبيعية.

ألا يمكن أن نجد نظاما خاصا ملائما يرضى الجميع "مستهلكين وعلماء ومؤسسات ومنتقى البذور" وبه نكافئ صاحب الابتكار "إن كان هناك اختراع أو ابتكار"؟.

فالبراءة تعد ضربا من الامتياز يشكل نوعا من الاحتكار ويناقض المفهوم الليبرالى الذى يركز على المنافسة فى عصر اتفق الجميع على تسميته بـ"عصر المعلومات" ؟

كيف نسمح لشخص أو مجموعة أن تستفرد بكائن حى أو جينات نباتية، حيوانية وإنسانية؟ ماذا يعنى أن تكلّف مؤسسة Monsanto مفتّشين خواصّ Détectives privés من شركة Pinkerton "الضالعة تاريخيا فى مقاومة الحركة النقابية منذ القرن التاسع عشر" لكى تبحث عن المزارعين "القناصة" الذين يعيدون زراعة بذورهم أن يبيعوها وتمد المزارعين برقم تلفونى "أخضر" مجانى لكى يوشوا بزملائهم.

3 - هل تساهم براءة الكائن الحى فى تطوير البحث العلمي؟
يقول المدافعون عن براءات الكائنات الحية وعن الكائنات المحورة جينيا: إن البراءة تخلق ديناميكية وتساعد رجال العلم والخبراء على البحث. لكن بما أن البراءة قد امتد مفهومها واتسع مجالها من أسلوب وتقنية الإنتاج إلى المنتوج المتحصل عليه ذاته فإن صاحب البراءة يمكن أن يعطل كل بحث يخصه فتصبح البراءة مفتاحا ووسيلة ضغط ضد كل المؤسسات الصغرى والمتوسطة وضد الباحثين بصفة عامة.

تشير مجلةScience فى عددها 701/698 بتاريخ 1998 إلى "أن خصخصة البحوث فى الميدان البيولوجى والطبى يمكن أن تتسبب فى كارثة بل تراجيديا... وذلك بظهور أعداد لا حصر لها من حقوق الملكية الفكرية المفتتة والمتداخلة". فالبراءة هى حاجز ومانع أمام تسرب المعلومات فى عصر سمى بـ "عصر المعلومات" " !". فى السابق رفض Pierre Curie وMarie Curie احتكار المعلومات حول تطبيقات الأشعة فى ميدان الطب وكان بإمكانهما فعل ذلك لكنهما كان يعلمان مسبقا أن البراءة تحد من البحوث وتعيق تقدم العلوم والمعارف.

مالك وصاحب "براءة المفتاح" يشترط إتاوات على الشركات الصغيرة والمتوسطة تقدر بـ100 ألف إلى 500 ألف دولارا للتصرف فيها لمدة 10 إلى 20 سنة بينما تصل كلفة الطعن فى براءة 1،6 مليون دولارا "!".


استراتيجيا كارتالات أو "فيرمات" هندسة الجينات تنصب على أحد أمرين : البحث على وحدات معلوماتية وراثية أو على جينات أو مجموعة جينات.
بعضها وضع قاعدة معلومات وبيانات طالت جينات البشر كتلك التى وضعتها شركة CODE Genetics التى اشترت من الحكومة الإيزلاندية قاعدة معلومات تخص سكان إيزلاندا وسجلت 350 مطلب براءة جينات بشرية سنة 2001. أما براءات الكائنات النباتية فعددها فى ارتفاع متواصل ومطرد.

شركات البذور – الكيمياء– الصيدلة مثل Mansanto و Du Pont و Aventis… وغيرها تسجل براءاتها الخاصة بالمواد الفلاحية كــ"القرفة" والبندق والجلوزة " " البوفريوة"" والكاوتش وغيرها من المواد الفلاحية التى بمجرد إحداث تغيير بسيط عليها تصبح براءة وكأن صاحب هذه الأخيرة قد صنع هذه الكائنات الحية. فى سنة 2001 خضع الأرز إلى ما يقارب بــ250 مطلب براءة حوله وتتعلق به ولقد وضعت قاعدة معلومات تخصه: جينوم الأرز وهو على ملك شركة Syngenta يخضع الحصول على المعلومة لعقود بحث وحتى النتائج التى يمكن التوصل لها تظل ملكا لصاحب المعلومة الأولى. فالبراءة تمكن صاحبها من استغلال الطاقات الفكرية والإبداعية للباحثين بجميع أصنافهم وأينما كانوا ووجدوا بحيث تُوظّف النتائج العلمية لخدمة الشركات العالمية الكبرى دون سواها. فعلى سبيل المثال لو فرضنا أن مؤسسة عالمية وضعت جينوم نبات ما فإن كل دراسة تتعلق بذلك الجينوم تعود منافعها وأرباحها للشركة الأولى التى سجلت براءات الجينوم.

وضع Willy Rothly تقريرا قدمه فى ملتقى عقدته منظمة اليونسكو بتاريخ 2 فيفرى 2001 ومما جاء فيه أنه فى سنة 1997 وقع تسجيل 1175 براءة على متتاليات جينية Séquences génétiques بشرية. تقر مؤسسة HUGO : Human Genome organisation بأن عدد البراءات المعروضة للتسجيل والتى تخص جينات البشر بلغت 3 ملايين مطلبا ويعلّق المحاضر أن هذا العدد قد وقع تجاوزه بكثير.

لقد أصبحت هندسة الجينات شبيهة بلعبة الدومينو أو الليقو: Lego. تعقد مؤسسات هندسة الجينات شركات واتفاقيات مع المؤسسات العمومية والجامعات. فى الولايات المتحدة الأمريكية تمكنت كل من Novartis وMonsanto من التحكم فى أقسام البحوث التابعة لجامعة بركلاى Berkley بكاليفورنيا وWashington University وذلك مقابل عقود والتزامات مالية تبلغ مئات الملايين من الدولارات. فالمؤسسات الخاصة المتملكة بالبراءات لا تسلّم المادة الخاضعة للبراءة إلا بشرط الحصول على ملخص دائم ومنتظم لبحوث المؤسسات الخاصة والمزاحمة "والتى تعمل هى أيضا بالتعاون مع الجامعات" وهكذا نجد باحثين يعملون فى القطاع العام والجامعات العمومية يرتبطون بعقود مع مؤسسات القطاع الخاص ملتزمين بالسرية التامة لنتائج بحوثهم.

يبين Jean Pierre Berlan كيف استغلت كارتالات البذور – الكيمياء – الصيدلة البحوث الجامعية أحسن استغلال ووظفتها لمصالحها التجارية من ذلك أنه فى أنقلترا وفى عهد تاتشر وقع بيع الجزء المفيد من البحوث العلمية الزراعية والمتعلقة بتحسين النباتات "PBI" Plant Breeding Institute إلى مؤسسة Unilever وذلك فى 1989 مقابل 70 مليون جنيه إسترليني.

فى سنة 1998 اشترت مؤسسة Monsanto هذا الرصيد العلمى PBI بمبلغ 525 مليون دولار وذلك لتطوير بحوثها حول القموح المحورة جينيا واحتكار تجارة بذور القموح بصفة نهائية وتامة بالقضاء على ما تبقى من البذور المتعارفة و"تحويل كل أنواع البذور إلى بذور مهجنة" على حسب تعبير رئيس مؤسسة Monsanto .

كل الطرق جائزة : تقديم أموال للمزارعين والمؤسسات التى تقبل بالتخلى عن بذورها. كذلك الشأن بالنسبة لمؤسسة Dupont التى عقدت اتفاقا سنة 1998 مع Saisbury Laboratories والمخابر العمومية البريطانية "أضخم مؤسسات البحث العمومية" John Innes Center لانتقاء أنواع جديدة من القمح.

عقدت Monsanto من ناحيتها صفقة مع جامعة واشنطن بالــ" ميسوري" بمبلغ 100 مليون دولارا للقيام ببحوث حول "أمراض العصر" " أمراض خلل المناعة الذاتية : Maladies auto-immunes- أمراض القلب والشرايين – السرطان ........". الهدف من الهيمنة على البحوث العلمية من خلال اعتماد قانون حماية الملكية الفكرية الذى يفترض السرية التامة هو الحصول على نتائج هذه البحوث بأسعار زهيدة من ناحية وفرض عقلية خصخصة الكائنات الحية ومفهوم براءة الكائن الحى وهذا طبعا باللجوء إلى كل المغريات وأهمها طبعا المغريات المادية.

تعارض شركات البذور – الكيمياء – الصيدلة وتعيق البحوث العلمية فى بلدان الجنوب خصوصا تلك التى تتوصل إلى نتائج أدوية بأسعار زهيدة. ففى الفترة المتراوحة بين 1997 – 2001 استطاعت كارتالات الصيدلة من منع تسويق بعض الأدوية المضادة لمرض السيدا بدعوى أنها صاحبة البراءة الأولى والنتيجة هى وفاة 400 ألف مصابا فى إفريقيا الجنوبية. ترفض هذه المؤسسات التخفيض من أسعارها وتضع العوائق أمام البحوث التى تخرج عن إطارها والحال أنها تنفق أموالا طائلة فى الدعاية.

ففى الفترة التى تتراوح بين 1997 و 1999 أنفقت كارتالات الصيدلة 250 مليون دولارا لخلق نسيج دعائى Lobbying ولوبيات تساهم فى دعم مبيعاتها بل إن أكثر من 30 % من ميزانية هذه المؤسسات مخصصة للدعاية Marketing

خلاصة الأمر : براءة الكائن الحى هى وسيلة لــ :
- فرض الكائنات المحورة جينيا وتعميمها.
- احتكار المعلومات حول البحوث العلمية الفلاحية والبحوث الصيدلية.
- الهيمنة على البحوث العمومية والجامعية.
- فتح المجال للقرصنة البيولوجية والاستكشاف البيولوجى Bio-prospection وتعميمه على العالم.
العرب اون لاين

 

 
     



المقالات الأكثر قراءة :     1: علاج الاسهال بالاعشاب الطبية (333120 قراءة)    2: فن تنمية الذكاء (249059 قراءة)    3: 19 طريقة للتخلص من الملل ؟ (197857 قراءة)    4: علاج البواسير بالاعشاب الطبية (164221 قراءة)    5: خصائص و أنواع الشخصية البشرية و كيفية التعامل معها (142460 قراءة)    6: الخريطة الذهنية تنظم أفكارك ! (109892 قراءة)    7: من عجائب الاكتشافات العلميه! (84550 قراءة)    8: ستة طرق لتقوية الذاكره وطرد الشرود الذهني (81249 قراءة)    9: العلاج بالضغط على القدمين والكفين (69433 قراءة)    10: الفياجرا للرجال فقط!! (65698 قراءة)    11: دراسة علميه حديثه تثبت فوائد الحجامه (58849 قراءة)    12: كيف تعمل على تنشيط دماغك ؟ (57740 قراءة)    13: مفهوم الطاقة في التنمية البشرية ! (57542 قراءة)    14: الإعجاز العلمي لمكة المكرمة! (51303 قراءة)    15: برمجة العقل السريعة !! (44524 قراءة)  
 




روابط ذات صلة· زيادة حول أخبار-متنوعة

أكثر مقال قراءة عن أخبار-متنوعة
اعجاز علمي(التسمية عند الذبح)